عبد المنعم الديلمي.. مؤسسةُ المجموعة الإعلامية الأكثر تأثيراً

لم يكن عبد المنعم الديلمي مجرّد مدير نشر لجريدة، ولا مجرّد صحافي يشتغل خلف مكتبه في انتظار خبر عاجل أو عنوان صارخ. لقد كان، وبشهادة الجميع، أحد أبرز الوجوه المؤسسة للمشهد الإعلامي الجديد في المغرب منذ بداية الألفية، حين استطاع أن يُطلق، إلى جانب ثلة من الإعلاميين، مشروعاً إعلامياً غير مسبوق جمع بين الصحافة الورقية والإذاعة، مغربياً، تحت سقف شركة واحدة هي: “إيكوميديا”.
ولادة المجموعة الرائدة
رأت إيكوميديا النور سنة 2000 بعد تفكك مجموعة “ماروك سوار”، فكانت مشروعاً طموحاً يقوده عبد المنعم الديلمي بمعية شركاء مؤمنين بالإعلام المستقل. حملت المجموعة على عاتقها نشر ثلاث منصات إعلامية كبرى: جريدة “الصباح” باللغة العربية، وجريدة “ليكونوميست” باللغة الفرنسية، وإذاعة “أطلنتيك راديو” التي كانت آنذاك أول تجربة حقيقية في الإعلام الإذاعي الخاص بالمغرب.
وحدها “إيكوميديا” استطاعت أن توازن في خطابها المهني بين خدمة الرأي العام واحترام حدود المؤسسات. لم تكن صدى لأحد، ولم تنخرط في الصحافة الشعبوية أو الإثارة الرخيصة، بل رسمت لنفسها خطاً تحريريًا وسطياً، جعلها في صدارة الجرائد والمواقع الأكثر موثوقية.
ثنائيّ التألق: الديلمي والحري
من أبرز عوامل نجاح إيكوميديا كان التحالف المتين والاحترافي بين عبد المنعم الديلمي وخالد الحري، الذي تولى لاحقًا إدارة نشر الصباح. جمع الرجلان بين الحنكة والجرأة، وبين الرؤية الإستراتيجية والعمل الميداني. كان الديلمي يعرف كيف يُهيكل المجموعة ويوفر لها شروط الاستمرارية المالية والقانونية، بينما كان الحري يُتقن إدارة التحرير وصياغة الخط التحريري بما يخدم القارئ ويواكب التحولات الاجتماعية والسياسية للمغرب.
هذا الثنائي تمكن من بناء جريدة “الصباح” لتكون رقمًا صعبًا في الإعلام المغربي الناطق بالعربية، منافسةً يوميات كبرى، ومتميزة بخطها الإخباري الرصين. وفي الوقت نفسه، ظلت “ليكونوميست” مرجعًا لا غنى عنه لرجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات.
بيع المجموعة.. واستمرار الريادة
رغم أن عبد المنعم الديلمي وزوجته نادية صلاح، المديرة السابقة لـ “ليكونوميست”، قررا في ما بعد التخلي عن حصتهما وبيع المجموعة، إلا أن إيكوميديا لم تفقد بريقها. لقد كانت المؤسَّسة قد رُسِّخت على أسس صلبة من المهنية والاستقلالية والنجاعة التسييرية، ما جعلها تواصل ريادتها تحت أي إدارة.
تواصل “الصباح” اليوم أداءها كواحدة من أكثر اليوميات العربية انتشارًا وتأثيرًا، وتُعتبر “ليكونوميست” المرجع الاقتصادي الأول، فيما تحافظ إذاعة “أطلنتيك” على جمهورها النوعي ونقاشاتها الوازنة.
إرث الديلمي
لقد أرسى عبد المنعم الديلمي نموذجًا لمقاولة إعلامية مغربية ناجحة ومستقلة، في ظرف كان الإعلام فيه إما مُوجَّهًا بالكامل أو مغامرًا بلا بوصلة. ترك خلفه إرثًا كبيرًا لا يتمثل فقط في منشورات أو بنايات، بل في منظومة إعلامية مغربية حديثة، مهنية، وذات أثر واضح في توجيه الرأي العام وصناعة القرار.
إنه ببساطة واحدٌ من أولئك الذين لا يكتبون مقالات فقط، بل يصنعون الإعلام.


