راديو مارس..عندما يستثمر الغرباء في الصحافة

“راديو مارس”.. اسمٌ لم يعد غريباً في الأوساط الرياضية المغربية. لكن خلف البهرج الصوتي والأناشيد الحماسية، تختبئ أسئلة جوهرية عن هوية هذا المشروع، وعن الجهات التي تديره، وعن الأهداف الحقيقية التي تتحكم في برمجته وخياراته التحريرية. فهل نحن أمام منبر إعلامي وطني يعكس نبض الشارع الرياضي المغربي؟ أم مجرد مشروع تجاري يتخفّى خلف شعارات الانتماء، وتتحكم فيه أيادٍ غريبة عن الحقل الصحافي الوطني؟
منذ تأسيسه، استطاع “راديو مارس” أن يفرض نفسه كمنصة إذاعية موجهة للجمهور العاشق للرياضة، خاصة كرة القدم. وبفضل شبكة برامج موجهة للجماهير، ولهجة دارجة قريبة من المستمع، حصد الإذاعة نسب استماع محترمة، حتى في مواجهة الإذاعات العمومية. غير أن هذا الحضور القوي على الأثير لا يخفي ما يروج في الكواليس من معطيات صادمة، تتعلق بهوية المالكين الفعليين، وبخلفيات الاستثمار في قطاع حساس كالإعلام، من طرف أشخاص لا صلة لهم بالصحافة، ولا حتى بالرياضة المغربية.
مصادر متعددة تؤكد أن المشروع تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة ربحية بحتة، يُستغل فيها الإعلام كوسيلة للوصول إلى النفوذ وليس كقيمة لخدمة المصلحة العامة أو الدفاع عن أخلاقيات المهنة. يتداول مهنيون في القطاع أن من بين كبار المساهمين في الإذاعة أشخاص يشتغلون في مجالات بعيدة تماماً عن الإعلام، منهم رجال أعمال، ومستثمرون في العقار، بل وأسماء أجنبية لا تظهر علناً في الهيكلة القانونية، لكن يُقال إنها تمارس تأثيراً مباشراً على السياسات التحريرية.
الإشكال لا يتعلق فقط بمن يملك “راديو مارس”، بل في طبيعة الخط التحريري الذي بات أقرب إلى السوق الشعبي منه إلى منبر إعلامي. إذ تحوّل منبر الإذاعة إلى فضاء للسب والقذف بين الجماهير، وتصفية الحسابات بين بعض المنتمين للأندية، في غياب واضح لأي تأطير قانوني أو مسؤولية مهنية. منشطون يتحدثون بلغات زنقوية، وتعليقات لا تخلو من العنصرية الجهوية، ومداخلات من مستمعين تتحول إلى ساحات صراع جماهيري، في مشهد يُفقد الإعلام روحه ويزرع الفتنة بدل النقاش الرصين.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين المجلس الوطني للصحافة؟ أين الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) من كل ما يجري؟ لماذا يُترك هذا النوع من “المشاريع الإعلامية” يتمادى في العبث بمهنة الصحافة، بل ويتلقى الإعلانات ويستفيد من سوق الإشهار وكأنه مؤسسة مهنية تحترم الضوابط؟ وإذا كانت القوانين تنص على أن الصحافة مهنة للمهنيين، فكيف يُفسَّر تسرب الغرباء إلى قلب المشهد، دون رقابة أو محاسبة؟
ما يحدث في “راديو مارس” ليس حالة معزولة، بل تجلٍّ لحالة عامة من فوضى الاستثمار في الإعلام، حيث أصبح المجال مفتوحاً لكل من هبّ ودبّ، ما دام قادراً على توفير رأس المال. هذه الوضعية تهدد المهنة من الداخل، وتحوّل الصحافة إلى مجرد سلعة في السوق، بدل أن تبقى سلطة رابعة تؤدي دورها في التنوير والمساءلة وخدمة الصالح العام.
قد يكون “راديو مارس” مجرد نموذج، لكن دق ناقوس الخطر صار ضرورياً. فحين يصبح الإعلام في يد من لا علاقة لهم به، ويسيّر من طرف أطراف لا تؤمن بدوره المجتمعي، فإننا لا نفقد فقط جودة المحتوى، بل نفقد جزءاً من كرامتنا الجماعية، ومن حقنا كمواطنين في إعلام نزيه، مستقل، ووطني في العمق، لا في الشعارات.
إن مستقبل الصحافة في المغرب لا يمكن أن يُترك للمضاربات ولا للمصالح العابرة. ولا بد من لحظة حسم، تُستعاد فيها مهنة الصحافة من يد الغرباء، وتُعطى فيها الكلمة لأصحابها الحقيقيين.


