السلطة الرابعة

العرايشي يدك حرث بوريطة

في مغرب يُقدَّم فيه الإعلام العمومي على أنه صوت الدولة ومرآة اختياراتها الوطنية، خرج الخطأ هذه المرة من صميم قناة يُفترض أن تكون حصناً منيعاً للدفاع عن الوحدة الترابية، فإذا بها تفتح الباب واسعاً أمام تسويق خريطة مبتورة للمملكة تسللت عبر إشهار مدفوع لشركة مراهنات تدعى “1XBet”، ظهرت فيه خارطة المغرب منقوصة من أقاليمه الجنوبية، في مشهد صادم بث على القناة الرياضية التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وأمام أنظار جمهور أفريقي وعالمي.

ما وقع لا يمكن اختزاله في مجرد “خطأ غير مقصود” كما سارع مسؤولو القناة إلى التبرير، بل هو فضيحة كاملة الأركان، تمس رمز السيادة وعمق الإجماع الوطني الذي رسمه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، حين أكد أن “الصحراء هي النظارة التي يرى بها المغرب العالم”. فكيف يمكن الآن النظر بوضوح إذا كانت قناة عمومية تنقل للعالم صورة مغلوطة عن الوطن؟ كيف يمكن أن تستمر هذه القناة في البث تحت إدارة من يقصّر في أبسط واجباته الوطنية؟ إنها سقطة لا تغتفر، وفضيحة لا تداويها بلاغات التوضيح.

المؤلم في الأمر أن هذا العبث الإعلامي جاء ليُبدّد مجهودات دبلوماسية ثقيلة ظلت تُبذل طيلة السنوات الماضية بقيادة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، الذي خاض معارك شرسة في العواصم الدولية دفاعاً عن مغربية الصحراء، وبنى تحالفات إقليمية، وأعاد تشكيل خطاب الدولة في المنتديات الأممية، حتى باتت المملكة تُعد نموذجاً في الدفاع السيادي عن قضاياها. غير أن كل تلك المكتسبات تلقّت طعنة غادرة من مؤسسة عمومية يفترض أن تكون في طليعة من يدافع عن هذا التوجه، فإذا بها تُقدّم هدية مجانية للجزائر وأعداء الوحدة الترابية الذين سارعوا إلى التقاط الصورة والبناء عليها، كأنها دليل رسمي على تراجع المغرب عن وحدته.

ما جرى هو ضرب مباشر للمصداقية والاتساق بين خطاب الدولة وأدواتها. فبينما تبني وزارة الخارجية حجراً فوق حجر في الدفاع عن الصحراء، ينسف الإعلام العمومي ما تم بناؤه بإشهار مدفوع لا يمرّ حتى من أبسط شروط المراجعة البصرية والتدقيق التحريري، ليظهر خريطة غير مكتملة للمملكة، متعمداً أو جاهلاً، وفي الحالتين الجرم قائم، والمسؤولية ثابتة.

إن من يتحمل هذه المسؤولية ليس سائق الشريط التقني ولا المكلف بالبث اللحظي، بل رأس الهرم: فيصل العرايشي، الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، الذي يشرف منذ سنوات على منظومة استهلكت ميزانيات ضخمة من المال العام، دون أن تقدم محتوى يليق بقيم الدولة ولا بمستوى الوعي الشعبي. فهل يعقل أن تكون مؤسسة إعلامية رسمية بهذه الهشاشة في التعامل مع رمز سيادي؟ هل يُعقل أن يمر إعلان كهذا دون مراجعة أو حتى حس وطني يُنذر بالخطر؟

الواقعة الأخيرة ليست حدثاً معزولاً، بل هي نتيجة منطقية لتراكمات من التسيير الضعيف والتهاون في الملفات الحساسة، بل واستغلال الإعلام العمومي كأداة لتصفية الحسابات الشخصية، والدفاع عن أشخاص بعينهم في وجه النقد المشروع، كما فعل أتباع العرايشي عندما جرّوا موقع “زون24” إلى ردهات المحاكم، فقط لأنه تجرأ على طرح أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة الشأن الإعلامي الوطني، بينما ظلوا في المقابل صامتين أمام فضيحة التحرير التي راح ضحيتها اسم الإعلامية الراحلة كوثر بورداجة، حين أعلن موقعهم وفاتها قبل أن تفارق الحياة بأيام.

لقد أصبحت المؤسسة تحت إدارة العرايشي بعيدة عن نبض الوطن، تسقط تارة في الترويج للمبتذل، وتارة في التطبيع مع الأخطاء الجسيمة، وأخطرها ما حدث مؤخراً حين ظهر المغرب مبتوراً في بث رسمي. من يقبل أن تبقى هذه المؤسسة دون محاسبة؟ من يتجرأ على تبرير ما لا يُبرر؟

المطلوب الآن ليس إصلاحات شكلية أو تغييرات ثانوية، بل مساءلة صريحة وقرار سياسي واضح يعيد ترتيب المشهد من جديد. فالإعلام العمومي لا يمكن أن يستمر في يد من لا يقدر رمزية الأمانة، ولا يُحسن صيانة التوابث الوطنية.

أما فيصل العرايشي، فقد آن أوان تحميله مسؤوليته كاملة. فمن يخطئ في حق التراب، يخطئ في حق الشعب والدولة والملك.