همسٌ في أذن الميداوي

في أزمنة التعيينات، حيث تنشط الكواليس وتُطوى ملفات وتُفتح أخرى، لا يكون للكلمة الرصينة من مكان سوى على هامش البلاغات الرسمية. لكن حين يعلو صوت العبث فوق منطق الاستحقاق، لا بد أن يُقال ما ينبغي قوله، حتى ولو همساً، في أذن من يتحمل مسؤولية القرار.
سيدي عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، نهمس في أذنك اليوم، لا بل نضع بين يديك وقائع ثقيلة تستوجب التوقف، لا التفرج.
يقول من عرفك عن قرب إنك رجل صرامة وانضباط، لا تتهاون في ما يتعلق بمهام المسؤولية. وقد ترسخت هذه الصورة منذ كنت رئيساً لجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حيث اشتهرتَ بالحزم في التعامل مع من يوجدون تحت سلطتك. واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تُختبر هذه السمعة على محك ما يجري داخل جامعة الحسن الأول بسطات.
نعم، لم تصدر بعد تعيينات رسمية، لكن لجان مباريات الانتقاء كشفت عن اختيارات لا تثير فقط علامات الاستفهام، بل تسائل المنطق نفسه. كيف يُعقل أن تُمنح المرتبة الأولى في مباراة عمادة كلية الاقتصاد والتدبير لمرشح لم ينجح خلال ولايته الحالية حتى في تدبير فضاء بسيط لاستقبال الأساتذة والطلبة والموظفين؟ وكيف يُدرج في المرتبة الثانية مرشح لا يتوفر على أي تجربة إدارية أو بيداغوجية، ثم يُعيد نفسه بين الثلاثة الأوائل في كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية؟ والأدهى من ذلك، أن اسمه يغيب عن قائمة معهد علوم الرياضة رغم ترشحه له أيضاً. فهل تغيرت كفاءته حسب نوعية اللجنة؟
هذا التلاعب، أو على الأقل هذا التخبط، يضعنا أمام مشهد مؤلم يعيدنا سنوات إلى الوراء، في جامعة بالكاد تعافت من جراح فضيحة “الجنس مقابل النقط”، فإذا بها تُقاد نحو انتكاسة أخرى، لكن هذه المرة باسم “الكفاءة” و”الانتقاء”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فمدير مركز الدكتوراه، الذي لم يقدّم يوماً أداءً يليق بالمهمة التي أوكلت إليه، يعود ليتصدر ترتيب معهد علوم الرياضة، بعدما سبق أن تصدر مباراة كلية العلوم والتقنيات دون أن يُعيّن، وتصدر أيضاً مباراة سابقة في نفس المعهد تم إلغاؤها. هل نحن أمام حالة استثنائية من العبقرية الإدارية، أم أن هناك من يُعد له المنصب على المقاس؟
في خضم هذا كله، لا يزال رئيس الجامعة يتحدث – في خرجاته وتصريحاته – عن “إصلاحات” و”رؤية جديدة”. لكن، سيدي الوزير، ما يحتاجه الرأي العام اليوم ليس خطابات تجميلية، بل توضيحاً حقيقياً: كيف تُدار هذه المباريات؟ وما المعايير التي تحكم اختيارات اللجان؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا العبث الوظيفي الذي بدأ يفضح نفسه بنفسه؟
الجامعات ليست مختبرات للتجريب الإداري، ولا مساحات للترضيات السياسية أو الجهوية أو القبلية. هي مؤسسات عمومية لها أثر مباشر على مستقبل الوطن، وواجبنا – كما واجبكم – أن نحميها من منطق “التعيين أولاً، ثم البحث عن تبرير لاحق”.
سيدي الوزير،
لا ننتظر كثيراً من البلاغات الحكومية القادمة، لكننا نأمل أن تكون عناوينها خالية من أسماء اختارتها لجان لا تنطق باسم الكفاءة. ونأمل أن تكون صرامتكم فعلاً، لا فقط سيرة ماضية في جامعة القنيطرة.
هي مجرد همسة، لكنها بحجم وجع جامعة.


