السلطة الرابعة

“الصباح”..رائدة الصحافة الورقية التي لا يرهبها الزحف الإلكتروني

في زمنٍ صار فيه الخبر يُستهلك بسرعة الضوء عبر الشاشات الصغيرة وصفحات المنصات الاجتماعية، حيث تراجعت الصحافة الورقية في مختلف أرجاء العالم أمام طوفان الإعلام الرقمي، تبرز يومية “الصباح” التابعة لمجموعة “إيكو ميديا” كاستثناء مشرّف في المشهد الإعلامي المغربي، تؤكد من خلاله أن للورق قيمة لا يعوضها التصفح السريع، وأن للخبر المكتوب نكهته وعمقه الخاصين.

منذ تأسيسها، استطاعت “الصباح” أن تحجز لنفسها مكانة وازنة ضمن كبريات الصحف الوطنية، بفضل خطها التحريري المتوازن، ومعالجتها الدقيقة للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية التي تهم القارئ المغربي، وبفضل فريق متميز من الصحافيين المحترفين والتقنيين المهرة، يقودهم مدير نشرها الصحافي المخضرم خالد الحري، الذي ظل يؤمن بأن الصحافة الورقية ليست بالضرورة مرادفا للتقادم والانقراض، بل يمكنها أن تتطور وتواكب العصر بروح الحداثة دون أن تفقد أصالتها.

ولا يقتصر تميّز “الصباح” على المحتوى فقط، بل يمتد أيضا إلى الشكل والإخراج، حيث تسعى الجريدة، يوميا، إلى تقديم موادها بأسلوب مشوّق ومبسط، يراعي تطلعات مختلف شرائح المجتمع المغربي، من النخب السياسية والاقتصادية إلى المواطن البسيط الباحث عن الخبر اليقين، مرورا بالباحث الأكاديمي الذي يجد في الجريدة مرجعا هاما لمتابعة تطورات الساحة الوطنية.

ما يميز “الصباح” أيضا هو قدرتها على تحقيق معادلة صعبة في هذا العصر الرقمي: الاستمرارية والانتشار في السوق الورقية من جهة، والانفتاح الذكي على الوسائط الرقمية من جهة ثانية، عبر موقعها الإلكتروني الذي يعيد نشر أهم مواد الجريدة ويواكب الأحداث العاجلة. هذا التوازن مكنها من المحافظة على قاعدة قراء وفية، مع استقطاب جمهور جديد من المتابعين الرقميين.

رغم الإكراهات التي تواجه الصحافة الورقية اليوم، من تراجع نسب القراءة الورقية، وارتفاع كلفة الإنتاج والتوزيع، وضغط المنافسة الرقمية، تواصل “الصباح” أداء رسالتها الإعلامية بجرأة ومسؤولية، مدافعة عن أخلاقيات المهنة وضوابطها، ورافضة الانسياق وراء الإثارة الرخيصة أو “الترندات” السطحية التي تغزو عوالم المنصات.

هذا الصمود المبدئي، الذي يقوده خالد الحري وفريقه، يعيد الاعتبار إلى وظيفة الصحافة الورقية كفضاء للنقاش الرصين والتحليل العميق، وكوسيلة تثقيف وتنوير للمجتمع، لا مجرد قناة لتصريف الأخبار العابرة.

وفي الوقت الذي انحنى فيه كثير من العناوين الصحفية أمام عاصفة التحول الرقمي، وأغلقت صحف عريقة أبوابها أو تحولت إلى نسخ إلكترونية صِرفة، ظلت “الصباح” وفية لهويتها الورقية، رافعة شعار “للورق مستقبل”، في تعبير صادق عن نضال صامت ولكنه ثابت في وجه زمن العجالة والاستهلاك السريع للمعلومة.

إن “الصباح” بهذا المعنى ليست مجرد يومية إخبارية، بل هي أيضا رمز لمرحلة من تاريخ الصحافة المغربية، ولإرادة جماعية لرجال ونساء آمنوا بأن الجودة والمصداقية هي التي تصنع الفرق، في الإعلام الورقي كما الرقمي.

ختاما، فإن تجربة “الصباح” تستحق أن تُقرأ لا كصحيفة فقط، بل كدرس في الصبر المهني، والإيمان بقيمة الكلمة المكتوبة، والتكيف الذكي مع تحولات العصر، من دون التفريط في الجوهر.