مطالبٌ بتدخل العدوي والبلاوي لانهاء فوضى صفقات SNRT

منذ أن اعتلى فيصل العرايشي كرسي الرئاسة المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة قبل أكثر من ربع قرن، ظلت صفقات الإنتاج السمعي البصري بالمؤسسة مثار جدل واسع، بين اتهامات بالريع، وشبهات بتضارب المصالح، وانتقادات من المهنيين والفاعلين في المجال، الذين يرون أن السوق محتكر من طرف قلة من الشركات المحظوظة، تحظى بالدعم والصفقات دون منافسة حقيقية ولا تكافؤ للفرص.
والمثير أن هذه الوضعية لم تعد خافية على أحد، بل أضحت علنية إلى حد الفضيحة، مع تواتر المعطيات حول استفادة شركات مقربة من دوائر القرار داخل المؤسسة، في خرق واضح لقواعد الشفافية والمنافسة. ويكفي دليلاً على ذلك ما يروج حول رئيسة لجنة انتقاء المشاريع، التي لا يبعد مكتبها سوى خطوات قليلة عن مكتب زوج صاحبة إحدى الشركات الكبرى المستفيدة من صفقات الإنتاج، والتي تدير هذه الشركة وتقتات من كعكة الإنتاج السمعي البصري العمومي، في حين تتكفل رئيسة اللجنة بتوقيع الأذونات والتأشيرات الضرورية التي تمرر هذه الصفقات، بل وتوقّع راتب زوج صاحبة الشركة الشهري كمتعاقد مع القناة.
هكذا، يتداخل الشخصي بالمهني، وتذوب الحدود بين ما هو مصلحة عامة وما هو نفع خاص، في مشهد يثير الريبة والشك، خاصة حين يُقصى منتجون مستقلون معروفون بجودة أعمالهم التي فرضت نفسها في البرمجة الرمضانية، رغم محدودية الإمكانيات وضعف الدعم، في مقابل تمكين شركات أخرى من صفقات ضخمة مقابل أعمال باهتة، لا ترقى إلى مستوى تطلعات الجمهور، بل أضحت مادة للسخرية في منصات التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق، يصبح من الملح أن يتدخل المجلس الأعلى للحسابات، برئاسة زينب العدوي، للنبش في تفاصيل هذه الصفقات، وفحص المساطر المتبعة، والتحقق من مدى احترامها لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصاً أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي، شدد في أول ظهور له على ضرورة التفاعل الجدي مع كل ما يتعلق بتدبير المال العام، والقطع مع كل الممارسات التي تُفرغ الصفقات العمومية من مضمونها النبيل كآلية لخدمة الجودة والمنافسة.
لكن الأمر لا يقف عند حدود المجلس الأعلى للحسابات فقط، بل يتطلب كذلك تفعيل دور النيابة العامة، باعتبارها الجهة المكلفة بحماية النظام العام الاقتصادي، من خلال فتح تحقيقات حول شبهات تضارب المصالح، واستغلال المنصب الوظيفي لتحقيق مكاسب غير مشروعة، خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولين يمارسون في الوقت نفسه أدوار المانح والمستفيد، دون حرج ولا خوف من المحاسبة.
هذه الوضعية الشاذة تنعكس سلباً على المشهد السمعي البصري الوطني، الذي يعاني أصلاً من أزمة إبداع وهبوط في الجودة، في ظل سيطرة منطق الريع و”باك صاحبي” على تدبير صفقات الإنتاج، ما يحرم عشرات الكفاءات والمقاولات الجادة من حقها في المساهمة في تطوير الصناعة التلفزيونية الوطنية.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف المسكوت عنه بشجاعة، وإعادة الاعتبار لمعايير الشفافية والاستحقاق، بعيداً عن منطق الولاءات والقرابة، حماية للمال العام، وإنصافاً لمئات المهنيين والمقاولات الذين يؤمنون أن الجودة والابتكار هما الطريق الوحيد نحو الارتقاء بالمنتوج السمعي البصري المغربي.


