مون بيبي الرجاء ووهم جيراندو

في مشهد أصبح مألوفاً مع الأسف في الساحة الرقمية المغربية، يسقط المشهِّرون تباعاً، ضحيةً لما صنعته أيديهم، وآخر هؤلاء أدمن صفحة “مون بيبي الرجاء” التي تحولت من فضاء مزعوم للدفاع عن الفريق الأخضر إلى منبر متخصص في التشهير وتصفية الحسابات مع كل من لا يوافق هواها أو أجندتها.
ورغم أن الأصل هو براءة المتهم حتى تثبت إدانته بقرار قضائي نهائي، إلا أن المعطيات الأولية عن هذا المشتبه فيه تكشف عن تفاصيل مثيرة تستحق الوقوف عندها. فكل المؤشرات تدل على أن هذه الصفحة لم تكن تتحرك من فراغ، بل كانت تُدار – حسب مصادر قريبة من التحقيق – من طرف شخص له صلة وثيقة برئيس سابق لنادي الرجاء، محمد بودريقة، ونجله، فضلاً عن بعض الأسماء من المكتب المسير الذي كان يرأسه.
الغريب أن جل الحملات التشهيرية التي قادتها الصفحة ركزت على رؤساء سابقين للنادي دون غيرهم، حتى أن سعيد حسبان كان “حائط المبكى” المفضل لها، وهو الرئيس الذي – بالمناسبة – لا تزال حصيلة ولايته ناجحة إذا ما قورنت بسنوات العشوائية والتسيب التي عاشها النادي لاحقاً. ورغم هذا، لا يفهم المتابع الموضوعي كيف تحول حسبان إلى خصم مشترك للعديد من المنخرطين وأدمنات الصفحات المشبوهة، وكأن هناك من يسعى لتصفية الحسابات القديمة عبر وسائط جديدة.
مصادر مطلعة على مجريات التحقيق تؤكد أن صاحب صفحة “مون بيبي الرجاء” قد يكون مجرد واجهة لشبكة أوسع تضم منخرطين ومسيرين سابقين، هدفها التحكم في الرأي العام الرجاوي وضرب كل من تسول له نفسه نقد “العهد الجديد” الذي يقوده بودريقة ورفاقه.
لكن لا أحد – مهما كانت نواياه أو أهدافه – يستطيع التحكم في الحقيقة إلى الأبد، كما لا يمكن لموجات التشهير أن تصنع مشروعية مزيفة لا تصمد أمام أول اختبار للحقيقة.
أما القسم الثاني من هذا المشهد فهو أكثر عبثية، ويتعلق برجل يصر على لعب دور “الصحافي العابر للقارات”، رغم أنه لا يحمل من الصحافة إلا الاسم: هشام جيراندو، الذي وجد في المنصات الرقمية ملاذاً يفرغ فيه حقده على مؤسسات الدولة ورجالاتها، خصوصاً المؤسسة الأمنية والقضائية، دون دليل واحد يُعتد به أو معطى موثق يُبنى عليه.
لا أحد ينكر وجود تجاوزات فردية أو حتى ملفات فساد داخل بعض مفاصل الدولة، وقد اعتُقل بالفعل بعض المسؤولين حتى وهم في مواقع حساسة كنواب وكلاء الملك. لكن تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتسويق الوهم للمغاربة وللرأي العام الدولي كما يفعل جيراندو، هو ضرب من التضليل الممنهج.
خذوا مثلاً قضية نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الزجرية عين السبع، الأستاذ جمال لحرور، الذي لم يسلم من سيل من الأكاذيب والاتهامات العشوائية على صفحات جيراندو. هذا الرجل، وفق معطيات دقيقة توصلت بها “زون24″، يعيش حياة متواضعة، يتقاضى راتبه كباقي القضاة، ويُعيل أسرة بسيطة عمادها والدان وإخوة، بلا ممتلكات فاخرة ولا أرصدة منتفخة.
لست صديقاً لجمال لحرور، ولا تجمعني به مصلحة أو علاقة، لكن الحقيقة تفرض نفسها، والحقيقة – وحدها – هي ما نسعى لنقله إلى القارئ مهما كان الثمن، ومهما كانت ردة فعل من يزعجهم صوت الحقيقة. وربما لن يرضى لحرور نفسه بهذا المقال، لكنه – مثله مثل كل مسؤول نزيه – يعرف أن أسوأ تشهير هو ما يُبنى على الوهم، وأن أفضل دفاع هو الحقيقة العارية مهما كانت جارحة.
في النهاية، سيبقى المغاربة – وهم أذكى من أن يُخدعوا طويلاً – يميزون بين من يكتب بحثاً عن الإثارة الرخيصة ومن يبحث عن الحقيقة مهما كانت مُرّة… وبين من يصنع “مون بيبي الرجاء” لتصفية الحسابات المحلية ومن يوزع أوهام جيراندو من وراء البحار في خدمة أجندات غامضة.


