بلا قيود

فاقة “الخِلفة”

التكاثر عند الكثير من البشر ضرورة، مكسب ذاتي و شكل من أشكال تحقيق الذات.. قد يكون غنيمة من لا غنيمة له، مصدر رزق أو معاش التقاعد.. لماذا نتكاثر ؟ ما الهدف، الداعي والمبرر؟ من يُخَوِّل لنا هذا الحق؟ هل القدرة العضوية على الحمل و الإنجاب كافية للتصديق بمشروعية التكاثر؟

قد يبدو الأمر في أوله بديهي وساذج، ننجب لأن هذا (ما وجدنا عليه آباءنا)، على الرغم من أننا موقنون أن الزمن غير زمن آبائنا، أن كل شيء تغير وأن إعمار الأرض لم يعد ضرورة، فلماذا لا نتساءل؟

الكل ينجب، الأمر اعتيادي بل عدمه يثير الشك و الريبة، لماذا فلان لم ينجب بعد سنوات من زواجه و كأنه أجرم في حق الانسانية و السؤال هو لماذا فلان يستقبل طفله الرابع و هو عاطل عن العمل أو عربيد مقامر و سكير؟ ماذا سيقدم لهذا الطفل؟ كيف سيصنع منه “رقما صعبا” مجتمعيا، أخلاقيا، ثقافيا و اللائحة طويلة !

الإنجاب دون يقين تام بالقدرة على الإحاطة بجميع الاحتياجات المعنوية والمادية للمولود قرار أناني، جائر و مستبد.

ولكي أجيب مسبقا عن الطرح المفضي إلى أن الله هو الرزاق و أنه سبحانه “يرزقكم و إياهم”، طبعا و مما لا شك فيه، لكنه جل و علا يرزق المتوكلين، الآخذين بالأسباب، في كل مناحي الحياة، أولئك الذين عزموا أن يبذلوا الغالي و النفيس ليوفروا حياة كريمة لأبنائهم، من لا يغمض لهم جفن لأنهم مثقلون بالوعي، بالمسؤولية، برسالة جيل أفضل.

حقيقة نحن لا نُنجب أطفالًا، بل نُنجب امتدادات أنانيتنا. نُنجب لنُشبع حاجةً فينا، نُنجب لنملأ فراغًا، لنخفي عيبًا، لنُسكِت المجتمع، لنُرضي الوالدة، أو نثبت أننا “طبيعيون”.

“هذا ما جناه عليّ أبي، وما جنيتُ على أحد” صرخة قديمة، من زمن المَعَرِّي، لكنها لا تزال تتردّد فينا، حين ننظر في عيون أبنائنا ولا نملك إجابة، حين نراهم يكبرون في جحيم يشبه طفولتنا، حين نعيد إنتاج المأساة، بحجّة “البركة” و”العادة”.

وجع يتناسل دون انقطاع.

الخِلفة ليست إنجازًا، الإنجاز الحقيقي أن لا نورّث أبناءنا خرابنا العاطفي، خوفنا، تعاستنا، أن لا نُسلّمهم للحياة خالي الوفاض.

الوعي بالإنجاب أسمى من الإنجاب ذاته، فمن لا يملك رؤية، لا يحق له أن يُنجب من سيعيش في ظُلمة رؤيته.

ومن لم يُنقِّب داخله عن طفله الجريح، لن يعرف كيف يحتوي طفله الحقيقي.

الأبوة والأمومة ليست مهارة في إطعام الفم، بل قدرة على احتواء الروح. ومن لم يعرف كيف يحتوي روحه، فلا يُجرّبن احتواء غيره.