مصدر مطلع

شركة “Avant-scène”..مدلَّلةُ المهدي بنسعيد التي تجني الملايير سنوياً

في قلب الرباط، حيث تتشابك خيوط الثقافة والسياسة والمصالح، برز اسم شركة “Avant-scène” خلال السنوات الأخيرة كفاعلٍ مهيمن في تنظيم كبرى الفعاليات الثقافية والفنية بالمغرب، وعلى رأسها المعرض الدولي للنشر والكتاب. الشركة، التي تأسست سنة 2003 على يد (م.أ)، تحوّلت في ظرف وجيز من مقاولة متخصصة في التواصل إلى ما يشبه المقاول الرسمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، مستفيدة من صفقات ضخمة تقدر بملايين الدراهم سنويًا.

لكن خلف هذه الصفقات البراقة، تلوح أسئلة ثقيلة حول مسارات إسناد المشاريع، ودرجة التنافسية فيها، وعلاقة الشركة برأس القطاع الوزير المهدي بنسعيد، الذي يشير بعض المتابعين إلى وجود تقاطعات سابقة بينه وبين المؤسسة المذكورة، سواء في المجال الإعلامي أو شبكات العلاقات. كما يطرح مراقبون سؤال تضارب المصالح، في ظل تكرار منح صفقات كبرى لذات الشركة دون توضيحات كافية من الوزارة الوصية.

هذا التحقيق يسعى إلى تتبع خيوط هذه العلاقة المريبة بين المال العام والثقة العمومية من جهة، والمصالح الخاصة لمؤسسات محظوظة من جهة ثانية. نستعرض فيه المعطيات المالية، ونحلل المساطر الإدارية والقانونية، ونتقصى خفايا النفوذ الذي يجعل من شركة واحدة شريكًا مفضّلًا للدولة، في زمن يُرفع فيه شعار الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تنظيمٌ حصريٌ للمعرض الدولي للنشر والكتاب

منذ ترحيل المعرض الدولي للنشر والكتاب من مدينة الدار البيضاء إلى العاصمة الرباط سنة 2022، بات واضحًا أن شركة Avant-scène استحوذت بشكل شبه حصري على صفقات تنظيم هذه التظاهرة الثقافية الأبرز في الأجندة الرسمية للمغرب. فرغم كون الحدث مفتوحًا نظريًا أمام المنافسة، إلا أن الوثائق التي يتوفر عليها موقع “زون24” تكشف أن الشركة ذاتها كانت الفائزة الوحيدة طيلة أربع دورات متتالية، بقيم مالية تتزايد عامًا بعد عام.

ففي الدورة 27 من المعرض، بلغت قيمة الصفقة 22.911.144,00 درهم. ثم سرعان ما قفز هذا الرقم في الدورة 28 إلى 35.052.031,20 درهم، أي بزيادة تقارب 12 مليون درهم خلال عام واحد فقط. وتواصل المنحنى في الارتفاع الحاد، حيث حصلت Avant-scène على مبلغ 43.996.725,99 درهم في الدورة 29، ثم أبرمت صفقة الدورة 30 الحالية بما مجموعه 45.101.162,60 درهم.

ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو الفرق الكبير بين ما تُنفقه الوزارة اليوم في الرباط مقارنة بما كان يُنفق سابقًا في الدار البيضاء. فعلى سبيل المثال، لم تكن ميزانية المعرض في سنوات ما قبل نقله تتجاوز عتبة 15 مليون درهم في أحسن الحالات، وفق معطيات متطابقة حصل عليها “زون24” من مصادر داخل وزارة الثقافة. بل إن بعض الدورات السابقة كانت تُنظم بمبالغ أقل من 10 ملايين درهم، مع مشاركة شركات مختلفة، ودون إثارة شبهات احتكار أو تضخم في الفواتير.

هذا التحول المفاجئ في الكلفة، والذي ترافق مع احتكار تام لشركة Avant-scène، يثير تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذا “الكرم المالي” الذي تُغدقه الوزارة على الشركة ذاتها سنة بعد سنة. فهل تحسّن فعليًّا مستوى المعرض وجودته ليُبرّر هذا الارتفاع؟ أم أن هناك أطرافًا تستفيد من الوضع السياسي الجديد لتوجيه المال العمومي وفق منطق الولاء والعلاقات.

 “أدب الأطفال”.. خزّان إضافي للملايير

لم تكتفِ شركة Avant-scène بالهيمنة على تنظيم المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، بل امتدّ نطاق استفادتها ليشمل أيضًا تظاهرة ثقافية كبرى أخرى تُنظَّم باسم الطفولة: المعرض الدولي للكتاب والطفل والشباب الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء سنة 2023.

الوثائق التي حصل عليها موقع “زون24” تُظهر أن الشركة ذاتها حصلت على صفقة تنظيم هذه الدورة بقيمة مالية ضخمة بلغت 23.435.508,00 درهم، أي ما يعادل أكثر من مليارين وثلاثمائة مليون سنتيم، وهو رقم يعكس مرة أخرى توجّه الوزارة نحو الاعتماد الحصري تقريبًا على شركة واحدة في مجالات يفترض أنها خاضعة للمنافسة والشفافية.

ويأتي هذا الرقم المرتفع في سياق متزامن مع تزايد الانتقادات الموجّهة للوزارة بشأن توجيه الموارد العمومية لصالح جهات محددة، دون فتح المجال الحقيقي أمام مقاولات أخرى، خصوصًا أن طبيعة هذه التظاهرات – الموجّهة للأطفال والشباب – لا تتطلّب بالضرورة كلفة إنتاجية مرتفعة بهذا الشكل، مقارنة بفعاليات أخرى تستقطب أسماء دولية وفرق لوجستية معقّدة.

كما يُثير هذا التراكم في الاستفادة من الصفقات الثقافية الكبرى من طرف شركة واحدة فقط، علامات استفهام حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة الحرة، ويغذّي فرضية وجود علاقة خاصة بين الشركة ومسؤولين نافذين في القطاع، قد تكون هي السبب الحقيقي وراء هذا الحضور المهيمن في مختلف محطات الإنفاق العمومي على الثقافة.

ملايير “البام” في جيب الشركة المحظوظة

لم تكن العلاقة بين شركة Avant-scène ووزارة الثقافة استثناءً في مسار صعودها السريع. فالوثائق والمعطيات التي يتوفر عليها موقع “زون24” تكشف أن الشركة نفسها ترتبط منذ سنوات بعلاقات مالية وسياسية متينة مع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه الوزير المهدي بنسعيد، أحد أبرز صناع القرار الثقافي اليوم.

ففي سنة 2020، حصلت Avant-scène على صفقة تنظيم المؤتمر الرابع للحزب الذي نُظّم بمركب الفروسية بضواحي مدينة الجديدة، بقيمة 1.25 مليار سنتيم. الصفقة آنذاك أثارت جدلًا داخل أوساط مهنيي القطاع، بعدما عبّرت شركات منافسة عن استيائها من الطريقة التي تم بها تفصيل طلب العروض، مشيرة إلى وجود محسوبية وتواطؤ ضمني بين بعض مسؤولي الحزب والشركة الفائزة.

ورغم تلك الضجة، عادت الشركة نفسها لتحصل مجددًا على صفقة تنظيم المؤتمر الخامس للحزب سنة 2024، الذي عُقد في بلدة بوزنيقة، مقابل مبلغ جديد قدره 1.2 مليار سنتيم. كل هذا تم، بحسب مصادر مطلعة، “من دون كثير من الضجيج”، وكأن وجود Avant-scène على رأس قائمة المتنافسين بات من المسلَّمات داخل الحزب.

هذا الامتداد المتواصل للشركة في تنظيم مناسبات الحزب يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة التي تجمع الطرفين، لا سيما أن نتائج هذه الصفقات تتكرر في المجال العمومي أيضًا، خصوصًا في وزارة يرأسها أحد قيادات الحزب نفسها. فهل نحن أمام شركة تنجح بفضل كفاءتها واستحقاقها؟ أم أننا إزاء نموذج كلاسيكي لاقتصاد الريع السياسي، حيث تُكافأ الشركات القريبة من مراكز القرار بمزيد من العقود والامتيازات؟

الربط بين المجالين السياسي والثقافي ليس مجرد افتراض، بل تؤكده الوقائع المتراكمة: نفس الشركة التي تنظّم مؤتمرات الحزب بالمليارات، هي نفسها التي تحظى بصفقات ثقافية ضخمة ممولة من المال العام، سواء عبر تنظيم المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أو معرض كتاب الطفل والشباب بالدار البيضاء، بأرقام تتجاوز في مجموعها خلال ثلاث سنوات فقط أزيد من 14 مليار سنتيم.

هذه الهيمنة المزدوجة، داخل الفضاء الحزبي والمؤسسات العمومية، لا تعكس فقط هيمنة تجارية، بل تكشف ما هو أخطر: تماهي المصالح الخاصة مع أدوات الدولة، في ظل صمت سياسي وإداري مطبق، وانعدام تام لأي مساءلة أو رقابة جادة على آليات تفويت الصفقات والموارد العمومية.