بلا قيود

القيم الأسرية في مفترق الطرق

عرفت الأسرة المغربية خلال العقد الأخير تحولات عميقة لم تكن وليدة عوامل اقتصادية أو اجتماعية تقليدية فحسب، بل جاءت نتيجة مباشرة للانفجار التكنولوجي وهيمنة الوسائط الرقمية وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت هذه الأخيرة فاعلا تربويا غير رسمي، يزاحم الأسرة والمدرسة والإعلام الكلاسيكي في تشكيل الوعي، وإعادة صياغة المفاهيم الأخلاقية والجمالية. فلم تعد القيم تنتقل عبر النصيحة والتجربة والحوار المباشر، بل باتت الصور والفيديوهات القصيرة والمحتويات الخاضعة للخوارزميات توجه الذوق العام، وتؤثر في السلوك الفردي والجماعي على حد سواء، فتضاعف السلطة التربوية داخل البيت، وتختل منظومة التوجيه التقليدية التي طالما ضمنت للطفل والمراهق توازنه داخل محيطه الأسري والاجتماعي. الأدهى من ذلك أن هذه المنصات الرقمية أسهمت في إحداث نوع من الانفصام القيمي داخل الفرد، حيث يعيش الأبناء تحت سقف الأسرة لكنهم يستقون تمثلاتهم عن الحياة من مؤثرين ومؤثرات لا تجمعهم بهم أية رابطة سوى شاشة الهاتف. في هذا السياق، برزت تحولات واضحة في تمثلات الجمال والنجاح وحتى مفاهيم الأخلاق، حيث أصبح الجمال الطبيعي مثار تشكيك، والبساطة مدعاة للسخرية، وظهرت نماذج رقمية لا تحتكم إلى أية مرجعية ثقافية أو أخلاقية، بل تقوم على التباهي بالمظاهر المعدلة، والإعجاب السطحي، وملاحقة “الترند”. في ظل هذا الوضع، أضحت التربية التقليدية تبدو غير مواكبة في نظر الأبناء، وتم تهميش القيم التي كانت تغرس بالتدرج، لصالح تمثلات سريعة الاستهلاك، لا تؤمن بالجهد ولا بالاستحقاق، بل بالمظهر وعدد المتابعين. وبذلك تعيش الأسرة المغربية نوعا من القلق الصامت، إذ تشعر بأن أبناءها يعيشون بينهم جسديا، لكنهم ينتمون إلى عوالم افتراضية موازية، تتشكل فيها معايير الأخلاق والجمال والنجاح دون رقابة أو توجيه. وهو ما يدعو إلى التفكير العميق في مستقبل التربية داخل مجتمعنا، ليس فقط من خلال تقنين المحتوى الرقمي، بل عبر تجديد أدوات التربية داخل الأسرة والمدرسة معا، وبناء مناعة قيمية تمكن الأفراد من استخدام الوسائل الحديثة دون الذوبان فيها أو فقدان بوصلتهم الأخلاقية.