بلا قيود

حرية للبيع

الحرية؟

كلمةٌ نُردّدها أكثر مما نعيشها، نرفعها شعاراً أكثر مما نحملها اختياراً.

إريك فروم قالها منذ عقود: الإنسان الحديث هرب من الحرية لا لأنه لا يُريدها، بل لأنه لا يعرف كيف يتحمّلها.

الحرية مسؤولية، والناس في مجملهم لا يريدون أن يُحاسَبوا على اختياراتهم، بل يفضّلون أن يُقادوا، أن يُعفَوا من ثقل القرار، أن يضعوا رقابهم في يد “الآخر”، فقط لكي لا يشعروا بعبء الذات.

فمنذ متى كانت الحشود على صواب؟

منذ متى كانت الكثرة مقياسًا للحقيقة؟

نحن نُذيب ذواتنا في الجماعة لنحتمي من خوفنا الوجودي. نرتدي أقنعة العُرف، نتمسّك بقواعد “الناس”، لا حبًّا فيهم، بل هربًا منّا.

نهرب من سؤال: “من أنا؟”

لأنه سؤال يُجبرنا على أن نواجه هشاشتنا، فراغنا، ضياعنا.

نُفضّل أن نُطيع، أن نُقلّد، أن نعيش كما يجب، لا كما نُريد.

فروم قال: هناك ثلاث طرق للهروب من الحرية: التدمير، التبعية، والتماثل.

نُدمّر أنفسنا حين نُخدّرها بالاعتياد، نتبع من هو “أقوى”، نُسلمه إرادتنا ونسمي ذلك “ثقة”، نتماثل مع الجميع، ندفن اختلافنا في مقبرة الجماعة، ونسمّي ذلك “توازنًا”.

لكن هل هذه هي الحياة التي نُريد؟ أن نكون نسخًا مقلدة؟ أن نعيش العمر كاملًا نتجاهل من نكون؟

أن نموت ونحن لم نختر حتى الطريقة التي نحبّ بها، نعمل بها، نُصلي بها، ونصرخ بها؟

الحرية ليست صراخًا في الشارع، وليست رأيًا نكتبه على فيسبوك.

الحرية أن تتحمّل عواقب أفعالك، أن تعرف أنك وحدك المسؤول، أن تقف واثقا، متزنا، قرير العين وتقول: “هذا أنا”.

لكن من يحتمل ذلك؟ من يحتمل العُزلة حين يُخالف القطيع؟ من يحتمل الشك حين تسقط اليقينيات؟

من يحتمل أن يعيش بلا قناع؟

الهروب من الحرية ليس ضعفًا فقط، إنه موت بطيء.

موت الذات، وموت المعنى.

فروم لم يُهاجم الإنسان، بل فَهِم جُرْحه.

فهم أن الحرية تُرعب، لأنها تجعلنا بشرًا حقيقيين.

لكننا اليوم، في زمن يَشْغَلُنا الشكل عن الجوهر، ما يراه الناس عن ما نراه نحن، أصبحنا نعيش خارج أنفسنا… ونُسمّي ذلك حياة.