عبدة الدوارة

في زمن أصبح فيه الشواء طقسًا مقدسًا لدى البعض أكثر من الشعائر، تخرج علينا “عبدة الدوارة” كما لو أنهم طائفة موازية، لا تعبأ لا بفقر الناس ولا بجفاف الأرض، تلهث خلف لذة الفحم واللحم ولو احترق الوطن.
كيف يمكن أن نفهم هذه المفارقة السريالية؟ كيف يشكو الناس من غلاء الأسعار، وينوحون من ضيق الحال، ثم تجد بعضهم يتسابق لشراء “دوارة” بثمن خرافي يصل إلى 700 درهم، فقط ليُحسّ بأنه “عايد” على طريقته، وليستعرض “لهطة” الشواء على مواقع التواصل كما يستعرض البعض سياراته الفارهة؟
من المؤسف أن نشهد هذا النوع من الازدواجية: الناس يصرخون من جشع “الشناقة”، وهم أول من يُغريهم، يُطاردونهم كما يُطارد العاشق معشوقته، يدفعون لهم فوق الثمن وأضعافه، ثم يلتفتون ليذرفوا دموع التماسيح على واقع الفقراء.
بل إن بعض مظاهر “التضامن” التي تُمارس في هذا الموسم مع ما يُسمّى بالفئات الهشة، يجب أن يعاد فيها النظر. ليس كل تضامن بريئًا، وبعضه يجب أن يصبح جريمة يعاقب عليها القانون. حين يُقدِّم أحدهم أضحية لفقير لكي يُشبع له نزوة اجتماعية، أو يستثمرها في ربح سياسي أو ديني، أو حتى مجرد إشعار الآخرين بأنه أفضل منهم، فهو ليس متضامنًا، بل “مُستغل” يخفي سوء نيته خلف ستار الدين.
في خضم هذا الجدل، جاءت الرسالة الملكية التي دعا فيها جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، إلى عدم إقامة شعيرة الذبح في عيد الأضحى هذه السنة، بتبرير شرعي وواقعي متكامل. وقد لخّص الأستاذ مصطفى الرميد، وزير العدل الأسبق، هذه الرؤية في تدوينة عميقة، أوضح فيها أن القرار لم يكن عبثيًا ولا طارئًا، بل ثمرة لتفكير دقيق، واستشارة واسعة، ومبني على قاعدة شرعية راسخة: “رفع الحرج ودرء الضرر وتغليب المصلحة العامة”.
الرميد بيّن في تدوينته أن الملك، بصفته أميرًا للمؤمنين، لم يُلغِ الشعيرة، بل رأى أن المصلحة الشرعية والوطنية تقتضي التعليق المؤقت لها، نظرًا لتوالي الجفاف، ونقص قطيع الماشية، وارتفاع أسعار اللحوم، وفشل الحكومة في التدخل الفعّال رغم الدعم المالي الضخم. وهو ما يعني أن القرار لم يكن فقط رأفة بجيب المواطن، بل كان أيضًا صيانة للمقدّرات الوطنية وحماية للتماسك الاجتماعي.
لكن يبدو أن الرسالة لم تصل بعد إلى “عبدة الدوارة”، أولئك الذين اختزلوا الدين في رائحة الشواء، وتحايلوا على التوجيه الملكي بذبح سري، وأقنعوا أنفسهم أن ما يفعلونه عبادة، والحقيقة أنه مجرد إيذاء جماعي لمشاعر الفقراء، وصورة صارخة من الأنانية الدينية والاجتماعية.
إن الذي يذبح الآن ليس متدينًا بالضرورة، بل قد يكون مريضًا اجتماعيًا كما وصفه الرميد: يذبح لا من أجل الله، بل من أجل الصورة، ومن أجل أن يُسمِع جاره صوت الشاة، ويُريه الدخان يتصاعد من سطح منزله… هذا فعل فيه إيذاء، وقد قال الرسول ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره.”
هل نحتاج حقًا إلى قانون يُجرِّم التضامن الزائف؟ ربما.
هل نحتاج إلى محاكمة اجتماعية للرياء المبطّن؟ بالتأكيد.
هل يجب أن نضع مرآة أمام “عبدة الدوارة” كي يروا أنفسهم كما هم؟ نعم، بل وندعوهم إلى علاج اجتماعي عاجل.
ما فعله الملك هو واجب الزعيم الحقيقي: أن يحمي شعبه من طقوس تقودهم إلى الحضيض، ولو كانت هذه الطقوس مستحبة.
أما من يصر على الذبح في هذه الظروف، فلا يمكن اعتباره إلا مواطنًا سيئًا، وتدينه مجرد قناع هش، وشواءه ليس إلا رمادًا يُغطّي جمرًا من الأنانية والجشع.
فيا من تشترون “الدوارة” بأثمان الأضاحي، وتزعمون التضامن مع الفقراء، تذكّروا: أنكم أول من يصنع الشناقة، وأن ما تقومون به ليس قربانًا لله، بل قربانًا لأهوائكم.


