كذبة ماي

طالما لُفّقت تهمة الكذب باطلاً بشهر أبريل، وسُمي ظلماً بـ”كذبة أبريل”، لكن الحقيقة أن الكذب في المغرب له أشهره ومواسمه، وأحيانًا ذروته تكون في ماي. فها نحن نودّع النصف الأول من العام بكذبات تُحاك بخيط سياسي رقيق، وتُلفّ بعباءة إعلامية تُخفي ما ظهر وما بطن.
وأولى كذبات ماي، قادمة من دهاليز الرياضة، حين طلع علينا من يقول إن كريستيانو رونالدو في طريقه إلى نادي الوداد البيضاوي. خبر نزل كالصاعقة، لا لأنه مفاجئ، بل لأنه يُخفي سخرية مرة من الواقع الكروي المغربي. هل يمكن فعلاً للوداد أن يدفع راتب رونالدو؟ من يصدق هذا لا يعرف أن بعض أندية المغرب تعاني من صرف منح لاعبيها، وأن “المنحة” قد تتأخر كما تتأخر قطاراتنا الوطنية. أما رونالدو، فهو لا يقبل التأخير في التمريرة، فكيف سيتحمل تأخير الشيكات؟
أما الكذبة الثانية، فهي سياسية بامتياز، خرجت من فم الوزير عبد اللطيف وهبي، حين قال بكل ثقة: “عطيني أسبوع وجيب ليا أي رئيس جماعة ندخلو للحبس”. قول جريء لا شك، لكن ذاكرة المغاربة لا تنسى أن السيد وهبي نفسه رئيس جماعة تارودانت. فهل يبدأ بنفسه؟ أم أن “أي رئيس جماعة” لا تشمل صاحب المعالي؟ إنها الكذبة التي تتوشح بشعارات النزاهة، لكنها تنهار أمام مرآة المنطق والمحاسبة.
في ماي، لا نضحك من الكذب، بل نبكي من وقاحته. الكذبة ليست مزحة هنا، بل سياسة وإعلام، ووعود انتخابية، وتضخيم في الميزانيات، وتقارير تنموية مفصلة على مقاس من هم في المكاتب المكيفة.
كذبة ماي ليست واحدة، بل سلسلة: تبدأ من صفقات التلقيح المشبوهة، وتمر عبر وعود التشغيل التي تبخرت، وتنتهي في بلاغات رسمية نُسجت كما تُنسج الأساطير.
في المغرب، لا نحتاج إلى “أبريل” لنكذب، لأننا أصبحنا نعيش في وطن تُروى فيه الكذبة قبل شربة الماء، وتُمرر تحت عنوان “الاستثناء المغربي”. لكن لا بأس، مادام الكذب صار فناً، فربما نحتاج إلى مهرجان وطني للكذب… ولن يكون في أبريل، بل في ماي، لأنه بكل بساطة شهر الكذبة الكبرى.
فهل نضحك؟ أم ننتظر الكذبة القادمة؟


