بلا قيود

ثلاثية الصمت-الجزء الثالث

في زمن الصور المعدلة، والوجوه المُفلترة، والكلمات المرصَّعة…

في زمن التجميل المُفرِط، والتحكُّم في السرد، والعيش كأنك دائمًا على المسرح…

أن تتعرّى ليس فقط فعلاً نادراً، بل جريمة لا تُغتَفر.

لا أقصد بالتعري ذلك الذي يجردنا من ما يستر الجسد، بل ذاك الذي يخلع عنّا ما يثقل الروح، ويكشف ما نحاول دفنه في زوايا الصمت، ذاك الذي لا يراه الناس بالعين، بل يشعرونه حين نكفّ عن التمثيل، حين نقول ما لا نقوله عادة، ونُظهر ما أخفيناه طويلاً باسم النضج، أو الكبرياء، أو الخوف من الفقد.

نحن جيلٌ لا يُحب أن يُرى على سجيته، جيلٌ يركض نحو القبول، ولو على حساب ذاته. جيلٌ يُتقن إخفاء الوجع خلف الضحك، ويجيد ارتداء “أنا قوي” كأنها درع لا يصدّ شيئًا سوى الحقيقة.

ولكن…

ماذا لو تجرّأنا؟

ماذا لو خلعنا كل تلك الأثواب التي لا تدفئ؟

ماذا لو خرجنا من غرف الزيف، وسِرْنا حفاة في طريق الحميمية، تلك التي لا تحتاج زينة، ولا لغة منمقة، ولا نصوصًا جاهزة؟

التعري ليس أن تكشف جلدك. بل أن تفتح جرحك دون أن تخشى من يراه. أن تقول: “أنا لا أفهم نفسي أحيانا”. أن تعترف أنك تعبت. أنك تخاف. أنك تحتاج. أنك لا تعرف كيف تُحب دون أن ترتبك، ولا كيف تُحب نفسك دون أن تساوم.

في عالمٍ يهلل لمن “ينجح”، ويصفّق لمن “يتكلم”، ويصفّق أكثر لمن “يتحمل دون أن ينهار”، أن تبكي أمام من تحب، أن تقول “أنا لست بخير”، أن تفضح هشاشتك، هو أقصى درجات البطولة.

الحميمية الحقيقية لا تنمو في ضوء المجاملات، بل في ظلال التعرّي العاطفي.

حين لا تحتاج أن تشرح كل شيء، لأن مَن أمامك يرى جوهرك.

حين لا تخاف أن تُظهر جزءًا منك لا تحبه، لأن الآخر يحتضنه كما هو.

نحن نحتاج هذا النوع من الحميمية.

لا تلك التي تُمثَّل في صور العناق المُتبادَل على وسائل التواصل، بل تلك التي تحدث حين تسقط الأقنعة، حين يصمت المتكبر و ينطق صوتك المرتبك.

فهل نجرؤ؟ هل نملك الشجاعة لنُظهر أنفسنا كما نحن، لا كما يريدون رؤيتنا؟ هل يمكن أن نحِب بعيوبنا، ونُحَبّ رغم أنفها؟

أكتب هذا الآن، لا لأنني أجيد التعري، بل لأنني مثلك… أرتبك. أختبئ. وأبحث عن الضوء وسط كل هذا الزيف.

لكنني بدأت أومن: ربما البداية الوحيدة الحقيقية هي أن نتعرّى.