بلا قيود

أزمة الثقة على السكة..حين تصبح الرحلة بلا ضمانات

من كان يظن أن السفر بالقطار في المغرب سيصبح رفاهية لا يقدر عليها إلا من “استعد جيدا نفسيا وماديا”؟ فبين أسعار تذاكر تحلق بلا سقف، وتأخيرات مزمنة لا تجد لها تفسيرا، بات ركوب القطار تجربة محفوفة بالإزعاج بدل الراحة.

أصبح السفر عبر القطار في المغرب تجربة محفوفة بالقلق، لا يطمئن فيها المسافر لا للوقت ولا للخدمة، ولا حتى لما قد يفاجئه خلال الرحلة. ففي كل يوم، يعيش المواطنون سيناريوهات متكررة من التأخر، الاكتظاظ، الأعطال، وضعف التواصل، وكأن الرحلة إلى وجهتك تمر أولا من امتحان الأعصاب.

رغم أن القطار يفترض أن يكون وسيلة نقل عمومية فعالة وآمنة وميسرة، فإن الواقع اليوم يبرز مسافة شاسعة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. أما أسعار التذاكر، التي تعرف ارتفاعات متواصلة، دون أن يصاحبها أي تحسن ملموس في مستوى الخدمات.

وقد أثارت هذه الزيادات المتكررة موجة انتقادات واسعة، خاصة في ظل سياق اجتماعي واقتصادي يعرف ضغطا كبيرا على القدرة الشرائية. إذ أن الزيادات الأخيرة شملت خطوطا مختلفة، وتراوحت بين درهمين في المسافات القصيرة، و40 إلى 60 درهما في الخطوط الطويلة، ما جعل كثيرين يعتبرونها “غير مبررة”، خاصة وأنها لا تقابل بتحسينات واضحة على أرض الواقع.

في المقابل، سجل نسبة انتظام القطارات انخفاضا ملحوظا، حيث تشير أرقام رسمية إلى أن حوالي 20% من الرحلات تعرف تأخيرات تتفاوت بين الدقائق والساعات، دون تقديم تبرير مقنع للمسافرين.

 

الأدهى من ذلك، أن فئات واسعة من المرتفقين – كالطلبة، وذوي الاحتياجات الخاصة – لا تجد في هذه الخدمة العمومية الحد الأدنى من التيسير أو المواكبة، ما يزيد من حدة الفجوة بين الخطاب الرسمي وتوقعات المواطنين.

وفي ظل هذا الوضع، تفقد الثقة في القطار العمومي زخمها يوما بعد يوم. والمفارقة أن المواطنين يدفعون نحو البحث عن بدائل أقل أمانا أو أكثر تكلفة، مثل الحافلات وسيارات الأجرة والسيارات الخاصة، ما يزيد من حجم التلوث، وحوادث السير، والاكتظاظ المروري في المدن الكبرى.

إن مرفقا عموميا بحجم السكك الحديدية لا يمكن أن يستمر في تقديم خدمة “بلا ضمانات”، في وقت يفترض فيه أن يكون في طليعة نموذج النقل المستدام والعادل. فالمواطن لا يطلب رفاهية زائدة، بل فقط احترامًا لوقته، وسعرًا منصفًا، وخدمة تحفظ له كرامته.