ثلاثية الصمت- الجزء الثاني

كل شيء مكتظ.
المدن، المقاهي، الأزقة، الحافلات، النشرات، الأعراس، المآتم، الأسواق، الجدران، وحتى قبورنا القادمة… كل شيء مزدحم.
لكننا وحيدون !
نتزاحم كأننا نخشى أن نُترَك، نقترب حد الاصطدام و كأن اللمسة تعني وجودًا، نضحك بصوتٍ عالٍ كي لا يسمع أحد صوت الانهيار المدوي بداخلنا.
نملأ الفضاءات… لكننا فارغون.
نلهث خلف العلاقات، الصور، الوجوه، “الأصدقاء”، خلف أي ظلّ يدلُّ علينا… لكننا نكرة.
اعذر تطفلي و جهلي، لكنني أتوق إلى الإجابة؛ ألا تشعر بالوحشة؟ و كأنك تُصفّق وحدك في مسرح ممتلئ؟
تصرخ و تشهق بكاءا لكن لا أحد يلتفت ليراك و كأنك شبح؟
ألا تتساءل ما الجدوى من مشاركة الفراش إن كان يُبقي روحك باردة ؟
أليس في الأمر خطب ما؟ أليس هذا المنفى أقسى من السجن؟
نحن محكومون بالمشاركة، ممنوعون من الغياب، محاصرون بالعيون… وغائبون عن كل نظرة.
الوحدة الحقيقية ليست في أن لا تجد أحدًا، بل في أن لا يجدك أحد.
أن تكون ظاهرًا… وغير موجود.
أن تُشارك في الحديث، وتضحك، وتتفاعل، وتَنشُر، وتُعجب… ثم تُطفئ الضوء ليلًا، وتسمع السؤال ينهشك:
من أنا؟ من يسمعني؟ من يُصدّقني؟
من يرى هذا الثقب في قلبي؟ من يشعر بثقل العدم الذي أحمله خلف ظهري؟
لم نَعُد نبكي، بل نُغلق هواتفنا. لم نَعُد نصرخ، بل نكتب منشورًا.لم نَعُد نغيب، بل نظهر أكثر. نخاف أن نختفي، ونحن أصلاً غائبون.
مسجون الزحام، لا تطلب الرحمة، لا تنتظر أن ينتشلك أحد. من يتذوق الوحدة لا يعود كما كان، لكنه يغدوا شخصا آخر، حدًّا قاطعا لا يُداس، ظلًّا لا يُمس، صوتا لا يصرخ، لكنه إذا نطق يُصيب.


