ثلاثية الصمت – الجزء الأول

أنا أعترف : زمنُنا لا يُطاق.
كلمات تتراكم، آراء فوق آراء، ضجيج لا يهدأ… و كأن الصمت جريمة ! من خوّف الناس من لحظة صمت ؟
من أوهمكم أن الساكت عدو، والمتأمل ناقص، والمُنصت خائف؟!
الكلمات تكتم أنفاسنا، تُلاحقنا حتى المضاجع، تُجبرنا على البوح و إنْ نفذَ الكلام.
الكل يتحدث. الكل يُعلّق. الكل يُحلّل.
لكن من يُنصت؟ من يُفكّر؟ من يصمت ليُدرك؟
زمننا لا يحتمل المساحات البيضاء (ولا الخضراء)، لا يقبل الفراغات.
كل لحظة يجب أن تُملأ.
كل فكرة يجب أن تُنشر.
كل إحساس يجب أن يُشارك.
الصمت لم يَعُد راحة… صار تهديدًا.
تهديدًا لمن بنوا المنظومة على الضجيج والتشويش.
تهديدًا لمن يخشون أن نُفكّر لأن التفكير خطر.
لأن التفكير يولد الأسئلة، والأسئلة تُربك اللعبة.
لهذا يخنقون الصمت، ويفرضون علينا ثرثرة جماعية… إجبارية.
الصمت يعرّينا أمام ذواتنا.
لا يمنحنا مهربًا، ولا إلهاءً، بل يعرض لنا صورتنا كما هي.
ولهذا، نهرب منه… لا لأننا نكره الهدوء، بل لأننا نخشى ما قد نسمعه داخله.
الصمت ضرورة وجودية. نحتاجه لنفهم، لنفكر، لنتصالح مع ما نعيشه.
نحتاجه لنفرّق بين أصواتنا الداخلية وأصوات الآخرين في رؤوسنا.
ولعلّ أجمل ما في الصمت أنه مساحة فارغة قابلة لأن تُملأ بما هو صادق، لا بما هو مفروض.
في الصمت، نصغي حقًا. وفي الإصغاء، يبدأ التغيير. الصمت ليس وهناً، بل فن، قوة، ومقاومة ناعمة.
ومن لا يُتقن الصمت، لن يُتقن الكلام.


