فن وثقافة

تتويج المتألقة بوبكدي

في كل مرة تُذكر فيها الدراما المغربية، تقفز إلى الواجهة أسماء قليلة استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة استثنائية، بل وتُرَسِّخ حضورها في الذاكرة الجماعية للمشاهد المغربي. من بين هذه الأسماء، تتألق فاطمة بوبكدي كواحدة من ألمع المخرجات المغربيات، ممن جمعن بين الحس الفني العميق والقدرة على تجسيد الذاكرة الجماعية برؤية بصرية غنية وهوية مغربية أصيلة.

فوز مسلسلها الأمازيغي “إيليس ن ووشن”، الذي عُرض على القناة الأمازيغية، بجائزة اللجنة الخاصة لأفضل مسلسل وطني خلال مهرجان مكناس للدراما، ليس سوى محطة جديدة في مسار حافل بالعطاء والتميز. هذا التتويج يكتسي رمزية خاصة، ليس فقط لأنه جاء تتويجاً لمسلسل باللغة الأمازيغية، بل لأنه جاء تتويجاً لمسار طويل من الاشتغال على الهوية المغربية المتعددة، بكل لغاتها وتعبيراتها الثقافية.

فاطمة بوبكدي ليست مجرد مخرجة، بل هي راوية حكايات. من خلال أعمالها الشهيرة مثل “رمانة وبرطال” و**”عايشة الدويبة”** و”حديدان”، نجحت في مزج الخيال الشعبي بالحكاية التاريخية، وتقديم دراما تستلهم من التراث الشفهي والأسطوري للمغاربة، ولكن بروح عصرية قادرة على مخاطبة أذواق الأجيال الجديدة. اشتغلت على ما يعتبره البعض هامشاً، فحولته إلى متن، وجعلت من الموروث الشعبي مادة قابلة للتأويل الفني، وأداة قوية لبناء الوعي الجمعي.

ما يميز بوبكدي كذلك، هو اشتغالها على جماليات الصورة واللغة، سواء كانت باللغة العربية أو الدارجة أو الأمازيغية. لا تتعامل مع اللغة كأداة توصيل فقط، بل كحامل ثقافي وشعري، يُعطي للعمل بعداً شعرياً وإنسانياً. ونجاحها في “إيليس ن ووشن” يُعد دليلاً قاطعاً على هذه القدرة الفريدة في فهم السياقات اللغوية والثقافية المختلفة داخل المغرب.

رغم الصعوبات الإنتاجية وضيق الوقت، استطاعت بوبكدي أن تنجز عملاً نال استحسان لجنة التحكيم، وأعاد التأكيد على قيمة الأعمال الدرامية الأمازيغية، وعلى ضرورة الاستثمار في الطاقات المحلية، وفي القصص التي تنبع من الأرض والناس.

إن تتويج بوبكدي ليس تتويجاً لمسلسل فحسب، بل هو تتويج لمسار كامل من الالتزام الفني والوفاء لروح الحكاية المغربية. وفي زمن باتت فيه الدراما الوطنية تبحث عن ذاتها وسط رياح المنافسة، تبرز فاطمة بوبكدي كمرجعية فنية قادرة على الجمع بين التأصيل والتجديد، بين التاريخ والخيال، وبين الجمالية والهوية.

هي مخرجة لا تُشبه غيرها، ومسارها يفتح الباب أمام أسئلة عميقة حول موقع المرأة في الإخراج، وحول قدرة الفن على أن يكون مرآةً للتعدد المغربي وثقافته العريقة. وبهذا المعنى، يبقى فوزها الأخير محطة مُلهمة لبدايات جديدة، ومقدمة لمرحلة أكثر إشراقاً للدراما المغربية.