إقتصاد

تطبيقات IPTV..ما بين متعة الوصول وسؤال الأخلاق (تحقيق)

في قلب مدينة الدار البيضاء، وتحديداً بين الأزقة الضيقة لمحلات درب غلف الشهيرة، وأروقة محلات “كراج علال” التي باتت قبلة للزوار من مختلف مناطق المغرب، انتقلت “زون24” لتستكشف عالم تطبيقات IPTV، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى بديل شعبي للقنوات المدفوعة، وإلى سوق موازية تنمو بعيداً عن أعين القانون.

وسط الزحام، وفي دكان صغير تحيط به قطع إلكترونية متنوعة من كل الجهات، التقينا بأحد البائعين الذين يروجون لاشتراكات IPTV، وفضل أن يُعرّف نفسه باسم مستعار: حمزة. يقول لنا بصوت خافت وهو يراقب بعينيه الزبائن القادمين: “هذه الخدمة مربحة بزاف.. كايجيوني الزبناء من جميع المدن، كاين لي كايشري التطبيق مع الجهاز، وكاين لي غير الاشتراك، وكلشي كايقلب على القنوات الرياضية وخصوصاً Bein Sports”.

حمزة لا يرى في الأمر شيئاً غير قانوني من وجهة نظره، بل يعتبر نفسه فقط وسيطاً يلبي رغبة الناس في الفرجة: “الناس بغات تشوف الماتشات، وهاد القنوات محتكرة بزاف، واللي ماعندوش باش يخلص 400 درهم فالشهر، كايلجأ لينا”.

سوق مفتوحة.. وزبائن من كل الشرائح

في الجهة المقابلة من المتجر، كان هناك شاب في الثلاثينات من عمره، يتفقد لائحة القنوات على شاشة متصلة بجهاز IPTV. سألناه عن رأيه في هذه الخدمة، فقال مبتسماً: “أنا كنشوف الكرة بزاف، وكانخلص غير 300 درهم فالسنة، عندي قنوات العالم كامل. واش نخلص 1500 درهم فالسنة لبين سبورت؟ ماشي معقول”.

في ركن آخر من محلات كراج علال، التقى “زون24” بسيدة خمسينية تُدعى نعيمة، كانت تبحث عن جهاز جديد لولدها. تقول لنا: “ولدّي كايبغي يشوف الأفلام، وأنا معنديش باش نخلص نيتفليكس ولا OSN. قالولي هنا كاين تطبيق فيه كلشي، وخاصني غير نخلص 200 درهم”.

وبينما يتنوع الزبائن بين شباب ومسنين، رجال ونساء، يجمعهم هاجس واحد: الرغبة في الفرجة بأقل تكلفة ممكنة، يبدو أن التكنولوجيا صارت وسيلة لتحطيم احتكار القنوات الكبرى التي تُسعّر خدماتها بالدولار واليورو، في حين أن القدرة الشرائية للمغاربة لا تسمح بمواكبة هذه التكاليف.

التقنية تغلب الصحن والرسيفر

في السنوات الأخيرة، ومع انتشار الإنترنت في الهواتف الذكية وشاشات التلفاز الذكية (Android TV)، لم يعد المواطن المغربي بحاجة إلى صحن هوائي ولا إلى أجهزة استقبال تقليدية. كل ما عليه فعله هو تحميل تطبيق IPTV، وشراء اشتراك سنوي يتراوح بين 150 و600 درهم، للحصول على مئات القنوات من مختلف دول العالم، بما فيها القنوات الرياضية، الإخبارية، وقنوات الأفلام والمسلسلات.

يقول أحد الشباب الذين التقيناهم في درب غلف: “أنا ساكن فالحي الشعبي، وملي شريت تلفاز سمارت، كندير الإنترنت من الهاتف، وكندخل للتطبيق. عندي bein، RMC، Sky وكلشي.. ما بقات عندي حاجة للهوندسات ولا للمونتاج ديال الصحون”.

“كرة القدم للفقراء”

من بين ما يثير الاستغراب في هذه الظاهرة هو التناقض الكبير بين رغبة الفقراء في متابعة كرة القدم، وارتفاع تكاليف الاشتراك في القنوات التي تنقل البطولات العالمية. يقول حسن، عامل بناء في الأربعين من عمره: “كنبغي الكرة، ولكن معنديش باش نخلص 500 درهم فالشهر.. واش الكرة ولا الماكلة؟ تطبيق IPTV عطاني الحل، وثمنه معقول”.

ويتابع: “راه الكرة ديال الفقراء، ولكن دابا ولات للناس اللي عندهم، وهادشي علاش بزاف ديال الناس كايمشيو لهاد التطبيقات”.

الربح السريع.. وشبهات قانونية

رغم أن الباعة في درب غلف وكراج علال يقدمون خدماتهم أمام الجميع، فإن قانونية هذه التطبيقات تظل محل جدل. ففي الوقت الذي تعتبر فيه الشركات العالمية أن هذه التطبيقات تنتهك حقوق الملكية الفكرية وتبث محتوى مسروقاً، يجد الباعة والزبائن مبرراتهم في ضعف القدرة الشرائية واحتكار القنوات الكبرى.

أحد التقنيين الذين تحدثنا إليهم أكد لنا أن أغلب التطبيقات التي تُباع تعتمد على سيرفرات مقرها خارج المغرب، وغالباً ما تكون مسجلة بأسماء وهمية أو مؤسسات غير معروفة. ويضيف: “كاين ناس كايدخلو من هاد السيرفرات ملايين الدولارات، والمغرب مجرد سوق تصريف”.

من جانب آخر، يقول محام متخصص في قضايا الملكية الفكرية أن هذا النوع من التجارة يعرض مروجيه للمساءلة القانونية، خصوصاً إذا ثبت أن الشخص يروج أو يربح من بيع محتوى محمي بحقوق الطبع والنشر. ويضيف: “المشكل هو أن القانون المغربي مازال ما متطورش باش يلاحق كل هاد الأنشطة، ولكن الشركات الكبرى تقدر تتابع دولياً، وراه بزاف ديال القنوات الأوروبية رفعات دعاوى ضد موزعين فدول مثل مصر وتركيا”.

في خضم كل هذا، يظل الزبون المغربي ممزقاً بين رغبته في مشاهدة محتوى عالي الجودة، وواقعه المادي المتواضع. وبين احتكار شركات الإعلام وغلاء الاشتراكات، وجد في IPTV متنفساً.. لكنه متنفس محفوف بالمخاطر، خاصة حين يتوقف السيرفر فجأة، أو تتعطل الخدمة دون سابق إنذار.

ويبقى السؤال: إلى متى ستظل كرة القدم حكرًا على من يملك؟ ومتى يتم التوصل إلى حلول وسطى تضمن حق المشاهدة دون خرق القانون، وتحترم القدرة الشرائية للمواطن؟