افتتاحية

العلوة وماليها

في لحظة من اللحظات السوداء التي تعصف فيها حادثة فردية بصورة جماعة بأكملها، تعرضت مدينة بن أحمد، قلب “العلوة” النابض إلى موجة جارفة من السخرية والتهكم، بعد الجريمة الشنيعة التي هزت الرأي العام الوطني فيما سمي بـ”سفاح العلوة”.

بن أحمد، وسيدي حجاج، ورأس العين، هذه الأضلاع الثلاثة التي تشكل كلمة “العلوة”، ليست مجرد جغرافيا ممتدة على خريطة الشاوية، بل هي تاريخ مشبع بالنضال والمقاومة، وعطاء إنساني وفكري وعلمي، سطره أبناؤها وما زالوا يسطرونه.

ما حدث مؤخراً، وما تردد في بعض المقاطع المصورة، لا يمثل مالين العلوة الحقيقيين. فهؤلاء الذين خرجوا بتصريحات مشوشة لا يختزلون وجه العلوة الأصيل.

مالين العلوة الحقيقيون هم أولئك القضاة، وأعضاء النيابة العامة، ورجال الأمن، وأساتذة الجامعات، وأعضاء اتحاد كتاب المغرب، والباحثون في وكالات الفضاء العالمية، والجنرالات الذين خدموا المغرب بشرف ووفاء. هم أولئك الذين صنعوا ويصنعون يومياً جزءاً من أمجاد هذا الوطن في صمت وتواضع.

بن أحمد، حاضرة امزاب، ليست وليدة الصدفة، ولا مدينة الحاضر العابر، بل هي ذاكرة حية قاومت الاستعمار بشراسة، وأنجبت علماء أجلاء أمثال الفقيه الحمداوي، لمن أراد أن ينقب في الكتب والمراجع الجادة.

ومع كل هذا الزخم الحضاري، ظلت بن أحمد مدينة منسية ومهمشة، بفعل تواطؤ الإهمال الذي كرسته عقلية مركزية، حينما وصفها إدريس البصري ذات يوم بأنها “الابن العاق للشاوية”، وصف لا تزال المدينة تدفع ثمنه إلى اليوم.

العلوة وماليها لا يستحقون ما يتعرضون له من اختزال فج لواقع معقد. إنهم يحتاجون اليوم إلى أكثر من إنصاف: يحتاجون إلى جامعة تُحتضن فيها طموحات أبنائهم، إلى حي صناعي يُنعش اقتصادهم، إلى مرافق رياضية تحتضن طاقاتهم، إلى استثمارات في الصحة والبنية التحتية والثقافة.

ارحموا العلوة وماليها من تسويق صور نمطية مغلوطة، وافتحوا عيونكم على هذا الخزان البشري المليء بالكفاءات والعطاء. العلوة كانت وما زالت ولّادة، ولو أُعطيت ما تستحقه، لكانت اليوم منارات لا تخبو، ونبراساً يحتذى به في التنمية والنهضة.