ديربي ولد زروال

لم يكن ديربي الوداد والرجاء هذه السنة مجرد مباراة كرة قدم، بل كان مرآة تعكس الكثير من التحولات العميقة في علاقة الجمهور المغربي بكرة القدم، بمؤسساتها، وبتاريخها الرمزي.
ففي أول مباراة يحتضنها مركب محمد الخامس بالدار البيضاء بعد شهور طويلة من الإغلاق، عاد الديربي ليجمع الفريقين الغريمين الوداد الرياضي كفريق مضيف، والرجاء الرياضي كفريق ضيف، في إطار الجولة 26 من البطولة الوطنية الاحترافية، بعد أن كانت نهضة بركان قد حسمت اللقب لصالحها في الدورة الجولة 25 على عكس المواسم السابقة التي كانت الإثارة فيها تمتد إلى الدورة الأخيرة أو على الأقل ما قبل الأخيرة.
دخلتُ الملعب متخفياً، متحرراً من عباءة الصحافة، لا أحمل قلماً ولا كاميرا، بل فقط بطاقة دعوة من مسؤول رجاوي سابق. أردت أن أكتشف الأجواء بعين المتفرج، لا الصحافي. لكن المفاجأة أن الأجواء كانت باهتة، لا تشبه الديربي الذي تعوّدنا عليه.
الجماهير اختارت المقاطعة، احتجاجاً على سياسات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والعصبة الوطنية الاحترافية، قرارات وُصفت من طرف الغاضبين بالعبثية، ومجحفة في حق ناديين تاريخيين يمران من أزمة مالية خانقة كان يمكن لمداخيل الديربي أن تكون جزءاً من حلها.
كان الملعب مليئاً بأشخاص يبدو أن لا علاقة لهم بكرة القدم، ولا بثقافتها، لا يعرفون أماكن جلوسهم، يتأملون تذاكرهم كأنها ألغاز، ويجلسون على المقاعد كما لو أنهم حضروا عرضاً في مسرح، لا كلاسيكو مغربي بعمق شعبي عريق.
المشهد لم يخرج عن تلك الصور التي صنعت “مسيرة ولد زروال”، حيث تمتلئ الشوارع بوجوه لا تعرف ما الذي تخرج من أجله، أو من أتى بها.
القتل الرمزي لناديين من عراقة الوداد والرجاء ليس سببه مؤامرات من الجامعة أو العصبة فقط – وقد تكون كذلك – لكن هناك أسباباً أخرى لا تقل خطورة، يقف خلفها مساهم مباشر يتمثل في حفنة من المنخرطين الذين قزموا فرق الدار البيضاء بانتخاب رؤساء لا يملكون لا الكاريزما ولا الفكر الرياضي، ولا حتى الحد الأدنى من ثقافة اللعبة. ما يجعل الأسى والأسف يتسللان إلى جمهور عاش تاريخاً مجيداً، أخضراً كان أم أحمر.
مركب محمد الخامس، الذي لم يُهدم ولم يُعاد بناؤه كما وقع مع ملعب الأمير مولاي عبد الله أو ملعب البريد ومولاي الحسن بالرباط، عرف فقط إصلاحات سطحية، لم تواكب المعايير الدولية، لكنها حرمت الوداد والرجاء من ملعبهما، ومداخيل جماهيرهما، ومعها جزء من كرامتهما الكروية. الأمر لم يعد مجرد تدبير عشوائي، بل بات يُقرأ في سياق يُشبه التهميش الممنهج للغريمين البيضاويين.
ولعل المقاطعة الجماهيرية التي عرفها هذا الديربي تندرج في سياق أوسع، هو تاريخ من “الويكلو” والملاعب الفارغة التي عرفتها الكرة المغربية في السنوات الأخيرة، بدوافع انضباطية تارة، وبأسباب تدبيرية تارة أخرى، لكنها كانت دائماً على حساب روح اللعبة، وعلى حساب الجمهور الذي هو العمود الفقري لكرة القدم.
مقاطعة هذا الديربي لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على وعي احتجاجي تراكمي، وعلى ثقافة جماهيرية أصبحت تعرف تماماً كيف ومتى تعبر عن غضبها. وجاءت لتُذكّرنا بمسيرة “ولد زروال” الشهيرة، حين خرج المئات في مظاهرات ضد بنكيران وحزب العدالة والتنمية، دون أن يعرف كثير منهم السبب الحقيقي لخروجهم، في مشهد سوريالي اختلط فيه التوجيه بالعفوية، والاحتجاج بالاستغلال.
ديربي هذه السنة كان استثناءً في كل شيء: في غياب الألتراس، في غياب الحماس، في حضور الوجوه الغريبة عن المستطيل الأخضر. كان صورة “ولد زروال” تكرر نفسها، لكن هذه المرة على مدرجات ملعب كرة قدم، في قلب مدينة كانت يوماً ما عاصمة الكرة والجنون الجميل.


