بلا قيود

الإيجابية بين منهج عيش ومخدر ناعم

إن وصف الواقع كما هو صار سلوكًا غير عادي كما كان يُفترض. الاعتراف بالمشاعر كما هي، دون تزيين أو تجميل، أصبح أحيانًا يُفهم كتشاؤم أو كنوع من “الطاقة السلبية” التي يجب تجنبها. حين يقول شخص إنه متعب أو حزين أو غير راضٍ عن وضعه، لا يُنظر إليه كإنسان يحاول التعبير بصدق، بل كصاحب مشكلة يجب “تصحيحها”. يبدو أن الصراحة نفسها تحوّلت من خطوة نحو الفهم إلى خروج عن المألوف. في هذا المناخ، يتحول وصف المشكل إلى تهمة بدل أن يكون بداية لأي علاج حقيقي.

الغريب أنّ هذا الرفض لا ينبع دائمًا من قسوة، بل من رغبة جماعية في الهروب. بدل أن نتصالح مع الألم باعتباره جزءًا من التجربة الإنسانية، وبدل أن نواجهه بخطوات حازمة، نحاول إعادة طلاء الواقع بألوان زاهية. لا نريد أن نقول “هذا خطأ”، بل نفضّل أن نقول “فكر بإيجابية”. لا نريد الاعتراف بوجود خلل، بل نبحث عن عبارات جاهزة لتخفيف وطأة المواجهة. وهنا يولد نوع من التجريم غير المعلن: تجريم الاعتراف، وكأن من يرى الواقع بوضوح يهدد راحة الآخرين. تتحول الإيجابية من قوة داخلية إلى واجب اجتماعي، ومن خيار إلى ضغط خفي يُفرض على الجميع بأن يبتسموا حتى وهم ينكسرون.

هذا يفسر أيضًا علاقتنا الملتبسة مع القراءة. الكتب التي تصف الواقع كما هو، أو التي تطرح أسئلة فلسفية مزعجة، كثيرًا ما تُتهم بأنها “سوداوية” أو “محبطة”. يُنظر إليها كخطر على التوازن النفسي، فقط لأنها تجرؤ على كشف ما نحاول تجاهله. في المقابل، تحظى الكتب التي تقدم وصفات سريعة للسعادة برواج كبير، فهي تعد القارئ بحياة أفضل في خطوات قليلة، دون أن تعالج جوهر المشكل. ليس لأنها أعمق أو أدق، بل لأنها أخف، لأنها لا تزعج، وتعطي وهم السيطرة دون أن تفرض ثمن الفهم. وهكذا أصبح الوهم أكثر قبولًا من الحقيقة، فقط لأنه مريح.

الحقيقة أنّ أي إصلاح يبدأ باعتراف صريح. لا يمكن معالجة ألم لا نريد تسميته، ولا يمكن تجاوز واقع نرفض رؤيته كما هو. الإيجابية المبنية على الإنكار ليست قوة، بل تأجيل مؤقت للانهيار. أما الصراحة، حتى وإن بدت قاسية، فهي الخطوة الأولى نحو شيء أكثر صدقًا وصلابة. ربما لسنا بحاجة لأن نكون إيجابيين طوال الوقت، بقدر ما نحن بحاجة لأن نكون صادقين بما يكفي لنفهم، وشجعان بما يكفي لنواجه.

الواقع أنّنا أمام خيار واحد واضح: إما أن نرى الواقع كما هو ونتصرف، أو نستمر في تزيين المشهد ونعيش في وهم مؤقت، على حساب حياتنا وفرصنا. من يختار الهروب اليوم، سيظل أسيرًا لوهم طويل الأمد، عاجزًا عن إصلاح نفسه أو تغييره.