الوساطة المرفقية بين توتر العلاقة واحتجاج المواطن: حين تتحول الخدمة العمومية إلى سؤال إنصاف

لم تعد العلاقة بين المواطن والإدارة علاقة هادئة قائمة على الثقة والاطمئنان، بل أضحت في كثير من تجلياتها علاقة توتر واحتجاج، علاقة تُغذّيها خيبات يومية، وتُترجمها طوابير الانتظار، وتعقيدات المساطر، وأحيانًا لا مبالاة المرفق العمومي. فهل نحن أمام أزمة قانون؟ أم أزمة إدارة؟ أم أزمة عدالة في الإحساس قبل أن تكون في التطبيق؟
لقد تحوّلت الإدارة الحديثة، نظريًا، إلى فاعل يقدم خدمة عمومية، بل ويضع رهن إشارة المواطن وسائل عمومية—من مرافق وتجهيزات، وحتى وسائل النقل والخدمات اللوجستيكية—في إطار ما يُعرف بدولة الخدمة. لكن، لماذا يشعر المواطن رغم ذلك أنه في مواجهة الإدارة، لا في خدمتها؟ لماذا يتحول المرفق العمومي من فضاء للحقوق إلى مجال للاحتجاج؟
هنا، يطفو على السطح ذلك التوتر العميق بين منطقين: منطق القانون الذي يُنظم العلاقة بشكل عام ومجرد، ومنطق الحياة الذي يُنتج حالات خاصة، متفردة، لا تُختزل في نص. لقد نبّه أرسطو إلى هذا التوتر حين أكد أن العدالة القانونية قد تُفضي إلى ظلم إذا لم تُستكمل بالإنصاف. فالقانون، في عموميته، قد لا يرى تفاصيل المعاناة الفردية، بينما الإنصاف يُعيد الاعتبار لهذه التفاصيل.
أما أفلاطون، فقد تصوّر الدولة كجسد منسجم، لكن ماذا يحدث حين يختل هذا الانسجام؟ حين يشعر المواطن أن الإدارة، بدل أن تكون امتدادًا لإرادته، أصبحت سلطة قائمة بذاتها؟ هنا، لا يعود الاحتجاج مجرد فعل عابر، بل يصبح تعبيرًا عن اختلال عميق في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين المرفق ومرتفقه.
وفي قراءة ابن رشد، فإن العدل لا يتحقق فقط بالنص، بل بفهم مقاصده. وهذا ما نفتقده أحيانًا في الممارسة الإدارية، حيث يُطبّق القانون بشكل ميكانيكي، دون اعتبار للسياق أو للنتائج. فكم من قرار إداري سليم من حيث الشكل، لكنه مجحف من حيث الأثر؟ وكم من مواطن خرج من إدارة وهو يشعر أنه لم يُنصف، رغم أن القانون طُبّق عليه؟
إن علاقة التوتر هذه لا تنشأ من فراغ، بل من تراكمات: تأخر في معالجة الملفات، غموض في الإجراءات، ضعف في التواصل، وأحيانًا غياب الحس الإنساني في التعامل. ومع كل تجربة سلبية، يتعزز شعور المواطن بأن الإدارة لا تُنصت، فيلجأ إلى الاحتجاج كوسيلة لإسماع صوته. وهنا، يتحول الفضاء العمومي إلى مسرح لمطالب الإنصاف، بدل أن يكون فضاءً لتحقيقه.
في هذا السياق، تبرز الوساطة المرفقية كآلية لتفكيك هذا التوتر، لا عبر فرض الحلول، بل عبر إعادة بناء الحوار. فهي تُحاول أن تُعيد التوازن بين طرف قوي (الإدارة) وطرف ضعيف (المواطن)، وأن تُدخل البعد الإنساني في علاقة أصبحت تقنية أكثر من اللازم. لكن، هل يمكن للوساطة أن تُعالج جذور التوتر، أم أنها تكتفي بتسكين أعراضه؟
ثم، أليس من المفارقة أن نحتاج إلى وسيط بين المواطن والإدارة في دولة يُفترض أنها في خدمته؟ وهل يمكن أن تستقيم علاقة قائمة على الخدمة، إذا كان المواطن يشعر أنه مضطر للاحتجاج من أجل الحصول على حق بسيط؟
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في تقديم الخدمة العمومية، بل في كيفية تقديمها. فالإدارة ليست مجرد جهاز يُنتج قرارات، بل فضاء يُفترض أن يُجسد قيم العدالة والإنصاف. وحين تغيب هذه القيم، تتحول العلاقة إلى صراع صامت، أو احتجاج معلن.
لذلك، فإن إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة تمرّ عبر إعادة تعريف هذه العلاقة: من علاقة سلطة إلى علاقة خدمة، من علاقة توتر إلى علاقة شراكة، من علاقة قانون جامد إلى علاقة إنصاف حي. والوساطة، في هذا الإطار، ليست غاية، بل خطوة في مسار أعمق نحو إدارة تُنصت، تُفسر، وتُراعي.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل نريد إدارة تُطبّق القانون فقط، أم إدارة تُحقق العدالة؟ وهل يمكن للخدمة العمومية أن تُقاس بعدد الخدمات المقدمة، أم بدرجة الإنصاف التي يشعر بها المواطن؟
ذلك هو الرهان الحقيقي… رهان أن يشعر المواطن، لا فقط أنه يتلقى خدمة، بل أنه يُعامل بإنصاف.


