بلا قيود

سيادة القانون فوق منصات التتويج: قراءة في انتصار الحق المغربي

هناك انتصارات تُرفع فيها الكؤوس، وهناك انتصارات تُعاد فيها صياغة المعنى. وما حدث ليس من الصنف الأول، بل من تلك اللحظات النادرة التي يُهزم فيها المنطق النفعي أمام منطق القاعدة، وتُستعاد فيها هيبة القانون في فضاء اعتاد طويلاً على المساومات الصامتة.

في الظاهر، يبدو الأمر نزاعاً رياضياً، ملفاً تقنياً، قراراً تحكيمياً… لكن في العمق، نحن أمام سؤال فلسفي قديم يتجدد: هل القواعد تُحترم لأنها عادلة، أم لأنها مفروضة؟

الفرق بين الحالتين هو الفرق بين من يخضع للقانون، ومن يؤمن به.

المشكلة أن كثيراً من الفاعلين، ليس فقط في الرياضة بل في السياسة أيضاً، يتعاملون مع القانون كمساحة للتفاوض، لا كمرجعية ملزمة. يُخالفون أولاً، ثم يبحثون لاحقاً عن تسوية، وكأن الخرق مرحلة عادية في مسار القرار. هذا السلوك لا يكشف فقط عن ضعف الالتزام، بل عن تصور مختل لفكرة الشرعية نفسها.

ما وقع في هذه القضية يعرّي هذا المنطق: حين قُبلت العقوبة الأولى دون طعن، لم يكن ذلك مجرد إجراء عابر، بل لحظة قانونية فارقة، أشبه باعتراف صامت. ومع ذلك، جرت محاولة العودة إلى الوراء، لا لنفي الخطأ، بل لتخفيف أثره. وهنا بالضبط تتحول القضية من نزاع حول الوقائع إلى نزاع حول الجرأة على تحمّل المسؤولية.

في المقابل، اختار المغرب موقعاً مختلفاً تماماً. لم يناور، لم يبحث عن ثغرات، لم يراهن على التعاطف… بل تمسك بنقطة واحدة: تطبيق القانون كما هو.

وهذا الموقف، في حد ذاته، ليس بسيطاً كما يبدو. لأن الإيمان بالقانون في بيئات يغلب عليها منطق الترتيبات غير المعلنة، هو شكل من أشكال المقاومة.

المفارقة المثيرة أن من يخرق القواعد لا يعتقد بالضرورة أنه مخطئ، بل يعتقد أنه أذكى من النص. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يتحول الذكاء إلى قدرة على التحايل، لا إلى قدرة على الالتزام.

لكن هذه القضية أرسلت إشارة معاكسة تماماً: أن التحايل ليس دليلاً على القوة، بل على هشاشتها.

من زاوية أعمق، يمكن قراءة هذا الحدث كصراع بين نموذجين:

نموذج يرى في القانون أداة قابلة للتكييف حسب المصلحة، ونموذج يرى فيه إطاراً ثابتاً يجب أن تُبنى داخله كل المصالح.

الأول يُنتج الفوضى المؤجلة، والثاني يؤسس للاستقرار الطويل.

اللافت أيضاً أن الصراع لم يكن حول من يستحق الفوز رياضياً، بل حول من يستحق أن يُعترف له بالفوز قانونياً. وهذه نقطة دقيقة: لأن الاعتراف، في النهاية، ليس مسألة تقنية، بل مسألة شرعية. والشرعية لا تُبنى على الأداء فقط، بل على احترام القواعد التي تنظّم هذا الأداء.

في هذا السياق، يصبح الانتصار المغربي أكثر من مجرد نتيجة. إنه استعادة لفكرة أن المؤسسات، مهما بدت بطيئة أو معقدة، قادرة على تصحيح الاختلال حين تجد من يرافع داخلها بإصرار.

وهذا درس مهم في زمن يسود فيه الاعتقاد بأن “النفوذ” أقوى من “النص”.

لكن الأهم من ذلك كله، هو الأثر الرمزي.

لأن الشعوب لا تتغذى فقط على النتائج، بل على المعاني التي تنتجها تلك النتائج. وحين ترى أن القانون يمكن أن ينتصر، حتى في مجال شديد التنافسية كالمجال الرياضي، فإن ذلك يعيد بناء الثقة في فكرة أوسع: أن العدالة ممكنة.

ومع ذلك، يجب الحذر من القراءة الاحتفالية السطحية.

لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في خرق القواعد فقط، بل في تطبيع هذا الخرق. أي حين يصبح الالتفاف سلوكاً عادياً، بل ومقبولاً ضمنياً.

وهنا تأتي قيمة هذه اللحظة: أنها كسرت هذا التطبيع، وأعادت الخط الفاصل بين المشروع وغير المشروع.

الأمر لا يتعلق إذن بخصم أخطأ أو طرف ربح، بل بتحول في ميزان الرمزية:

من كان يعتقد أن بإمكانه التحكم في النتائج عبر المسارات الجانبية، وجد نفسه أمام منظومة أعادت الاعتبار للمسار الرسمي.

وهذا يعيدنا إلى فكرة أساسية:

القانون لا يكون قوياً بنصوصه، بل بمن يدافع عنه.

وإذا كان كثيرون ينتظرون لحظة ضعف القانون للانقضاض عليه، فإن قلة فقط تملك الشجاعة للرهان عليه حتى النهاية.

في الأخير، قد تُنسى تفاصيل هذه القضية، وقد تتحول إلى مجرد سابقة قانونية في أرشيف الرياضة الإفريقية، لكن أثرها الأعمق سيبقى في مكان آخر: في الوعي.

في تلك الفكرة البسيطة والمعقدة في الآن نفسه: أن الفوز الحقيقي لا يتحقق حين ترفع الكأس، بل حين تجعل رفعها ممكناً فقط داخل حدود الحق.

وربما لهذا السبب تحديداً، يبدو هذا الانتصار مختلفاً…

لأنه لم يمنح المغرب لقباً فحسب، بل منحه موقعاً أخلاقياً: موقع من اختار أن يربح بالقانون، في زمن صار فيه الكثيرون يبحثون عن الربح بأي ثمن.