السلطة الرابعة

“سكانير” يثير النقاش في أول أيام رمضان

منذ الحلقة الأولى، نجح برنامج “سكانير” في أن يفرض نفسه ضمن الخريطة الإعلامية الرمضانية، ليس فقط كموعد إذاعي عابر، بل كمساحة حقيقية للنقاش العمومي. البرنامج الذي يُبث على أمواج إذاعة إم إف إم، ويُعرض مرئياً عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، اختار أن يدخل رمضان بأسئلة ثقيلة، لا بخفة موسمية.

“سكانير” ليس مجرد عنوان جذاب، بل هو توصيف دقيق لفلسفة البرنامج: إخضاع القضايا المجتمعية والسياسية لـ”فحص دقيق”، كما يفعل جهاز السكانير في المجال الطبي، بحثاً عن مكامن الخلل، بعيداً عن المجاملة أو الإثارة المجانية. فالمجتمع المغربي، في لحظة تحولات كبرى، يحتاج إلى إعلام يُشخّص قبل أن يُعلّق، ويحلّل قبل أن يُصدر الأحكام.

يقود هذه التجربة الإعلامية الصحافي خالد الكيراوي، بأسلوب هادئ ولكن حازم، ويواكبه في النقاش كل من خولة دحو، وماء العينين عناني، وياسين حسناوي مدير نشر موقع زون24. توليفة تجمع بين زوايا نظر متعددة، وخلفيات إعلامية مختلفة، وهو ما أضفى على الحلقة الأولى دينامية واضحة، وحيوية في تبادل الرأي.

الحلقات الافتتاحية لم تمر مرور الكرام. فقد خلقت نقاشاً واسعاً داخل مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبرها جرأة مطلوبة في طرح المواضيع الحساسة، ومن رأى أن بعض الزوايا تحتاج إلى تعميق أكبر أو مقاربة أكثر اتساعاً. غير أن المؤكد هو أن البرنامج نجح في كسر جدار اللامبالاة، وهذا في حد ذاته مؤشر على أنه لامس عصباً مجتمعياً حقيقياً.

رمضان، الذي يُنظر إليه عادة كشهر للبرامج الترفيهية أو الدينية، صار أيضاً موعداً لنقاش عمومي جاد. و”سكانير” يبدو واعياً بهذه المفارقة؛ فهو لا يهرب من حرارة الملفات، ولا يختبئ وراء العموميات. بل يعلن منذ البداية أن قضايا كثيرة ستوضع تحت “السكانير”، وأن النقاش لن يكون انتقائياً أو مناسباتياً.

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الآراء بالمواقف، يحتاج المتلقي إلى منصة تُعيد ترتيب المعطيات، وتفصل بين الرأي والخبر، وبين التحليل والانطباع. هذا ما حاولت الحلقة الأولى أن تؤسسه: نقاش مبني على معطيات، واختلاف في الرأي دون انزلاق إلى الشخصنة.

الرهان اليوم ليس فقط على استمرارية البرنامج طيلة الشهر الفضيل، بل على قدرته في الحفاظ على مستوى النقاش، وتوسيع دائرة القضايا المطروحة. فالمجتمع المغربي يعيش على إيقاع أسئلة كبرى: من الإصلاحات الاقتصادية إلى التحولات الاجتماعية، مروراً بأدوار الفاعلين السياسيين والإعلاميين. وكلها ملفات تستحق أن توضع تحت “سكانير” مهني، لا شعبوي.

ما تحقق في الحلقة الأولى هو بداية فقط. لكن البداية، كما يقال، نصف الطريق. وإذا كان الجدل الذي رافقها دليلاً على شيء، فهو أن هناك تعطشاً لنقاش عمومي صريح، يحترم ذكاء المستمع، ويؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل للحدث، بل فاعل في تشكيل الوعي به.

“سكانير” فتح الباب. والبقية ستُحسم في الحلقات القادمة، حين تتوالى الملفات وتتكشف الجرأة، ويُختبر فعلاً معنى أن نضع قضايا الوطن تحت مجهر الفحص… بلا تردد.