مشكلتنا الأخرى مع عزيز أخنوش

لم يكن المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي احتضنه السبت الماضي مركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة، مجرد محطة تنظيمية عابرة في تاريخ حزب سياسي مغربي. كان لحظة انتقال محسوبة، تُنهي مرحلة وتفتح أخرى، وتزكّي محمد شوكي رئيساً جديداً للحزب خلفاً لعزيز أخنوش، الرجل الذي بصم المشهد الحزبي والحكومي بطريقته الخاصة، وبما أثار حوله الكثير من الجدل والنقاش.
كتبنا سابقاً أن مشكلتنا مع أخنوش، في جزء منها، هي أنه رجل ثري. وفي مجتمعنا، حيث لا تزال الثروة تُقرأ أحياناً كامتياز غير مستحق أو كدليل على “قرب مشبوه” من السلطة، يُصبح الغنى في حد ذاته تهمة أخلاقية وسياسية. كثيرون لا يناقشون السياسات العمومية، ولا البرامج، ولا نتائج التدبير، بل يختصرون الموقف في سؤال واحد: “كيف يمكن لرجل غني أن يمثل الفقراء؟” وكأن الديمقراطية تشترط الفقر شرطاً لممارسة السياسة، أو كأن النجاح الاقتصادي يُفقد صاحبه تلقائياً شرعية الفعل العام.
لكن مشكلتنا الأخرى اليوم مع عزيز أخنوش ليست في ثروته، بل في الطريقة التي حاول بها خصومه نزع الشرعية السياسية عنه. حين قالوا إنه “ليس رجل سياسة”، وإنه لا يحق له ممارستها ما دام رجل أعمال، كانوا في الواقع يؤسسون لسابقة خطيرة في النقاش العمومي المغربي: سابقة تصنيف المواطنين إلى درجات سياسية، ومنح صكوك الوطنية السياسية بناءً على الخلفية المهنية أو الطبقية. السياسة، في دستور المملكة، حق لكل مواطن ومواطنة، وليس امتيازاً حصرياً لفئة معينة أو نخبة بعينها. ومنع رجل أعمال من السياسة، من حيث المبدأ، هو منطق يقودنا إلى منع الأكاديمي والصحافي والمهندس والطبيب من العمل السياسي بدعوى “تضارب الهوية”، وهو منطق يُفرغ التعددية من معناها.
مشكلتنا الثانية مع أخنوش، في هذا السياق، هي أنه قلب الطاولة على هذا الخطاب، لا عبر الشعارات، بل عبر الممارسة السياسية ذاتها. لقد أعطى دروساً في السياسة حين اختار إعادة التداول على القيادة داخل حزبه، بدل تكريس عرف الولاية الثالثة الذي تسلل إلى العديد من التنظيمات الحزبية والنقابية تحت مسميات مختلفة. في بلد يتحدث كثيراً عن تجديد النخب، ويشتكي من شيخوخة القيادات، ويطالب بدماء جديدة في السياسة، يأتي قرار الانسحاب المنظم من القيادة ليضع الجميع أمام مرآة محرجة: هل نحن مستعدون فعلاً لتداول السلطة داخل أحزابنا، أم أننا نكتفي برفع الشعار حين يكون موجهاً للآخرين فقط؟
لا أحد يقول إن تجربة أخنوش في السياسة كانت بلا أخطاء أو بلا نقائص. ولا أحد يدّعي أن حصيلته الحكومية خالية من النقد، أو أن سياسات حكومته لم تكن محل جدل واسع في الشارع المغربي. لكن السياسة، في جوهرها، ليست مسابقة شعبية، بل هي مسار مؤسساتي يُقاس بالقرارات، بالخيارات الكبرى، وبقدرة الفاعل السياسي على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية حين يكون في موقع القوة.
مشكلتنا مع أخنوش، إذن، ليست في كونه ثرياً، ولا في كونه رجل أعمال دخل السياسة، ولا حتى في كونه رئيس حكومة سابقاً مثيراً للجدل. مشكلتنا الأعمق هي أننا، كمجتمع سياسي وإعلامي، لم نحسم بعد علاقتنا بفكرة الشرعية السياسية: هل تُبنى على الخلفية الاجتماعية، أم على الالتزام بالدستور وقواعد الديمقراطية؟ وهل ننتقد السياسات والبرامج، أم نكتفي بتصنيف الأشخاص وفق صور نمطية مريحة لكنها كسولة؟
حين يختار زعيم حزبي الانسحاب الطوعي من القيادة، ويعيد التداول إلى الواجهة، فإنه لا يقدم فقط درساً لحزبه، بل يوجه رسالة لبقية الفاعلين: التداول ليس شعاراً مستورداً، بل ممارسة ممكنة ومطلوبة. وربما هنا تكمن المشكلة الحقيقية مع أخنوش: أنه فعل ما كنا نطالب به نظرياً، لكنه وضعنا أمام اختبار عملي لم نعتد بعد على اجتيازه.


