شوكي يستحقُّ فرصة

منذ إعلان محمد شوكي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس فريق الحزب بمجلس النواب، ترشحه لخلافة عزيز أخنوش خلال المؤتمر الاستثنائي المرتقب يوم السبت المقبل بمدينة الجديدة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من التعليقات، بين مشكّك في قدرته، ومستبق للحكم على تجربته قبل أن تبدأ، ومُصرّ على محاكمته سياسياً في محكمة الافتراضات والانطباعات المسبقة.
في السياسة، كما في الحياة، كثيراً ما تُصنع الأحكام بسرعة، وتُطلق التوقعات دون انتظار الوقائع. لكن التجربة الديمقراطية، إن كانت تريد أن تنضج، تحتاج إلى منح الفرص قبل إصدار الأحكام، وإلى تقييم الأداء بعد تولي المسؤولية، لا قبلها. ومحمد شوكي، مهما اختلفنا معه أو اتفقنا، يستحق هذه الفرصة.
لا يمكن اختزال مسار رجل في منشورات فيسبوك أو تعليقات غاضبة على منصة رقمية. شوكي ليس وجهاً طارئاً على المشهد السياسي؛ فهو برلماني متمرّس، يقود فريقاً نيابياً داخل مجلس النواب، وراكم تجربة تنظيمية داخل حزب يُعد اليوم من أقوى التنظيمات السياسية في المغرب، سواء من حيث الحضور المؤسساتي أو من حيث التأثير في السياسات العمومية.
قد لا يكون شوكي زعيماً كاريزمياً بالصورة التي اعتاد عليها المغاربة في السياسة، وقد لا يمتلك الكاريزما الإعلامية التي يتمتع بها بعض القادة الحزبيين، لكن السياسة ليست مسابقة شعبية في الخطابة ولا سباقاً في عدد المتابعين على شبكات التواصل. السياسة إدارة، تفاوض، تنظيم، ورؤية استراتيجية. وفي هذه المجالات، تُقاس القيادة بالنتائج لا بالشعارات.
عزيز أخنوش نفسه، عندما تولى قيادة التجمع الوطني للأحرار، لم يكن محاطاً بإجماع شعبي ولا حزبي. بل واجه موجات من الشك والسخرية والانتقاد، لكن الرجل استطاع، عبر الزمن، أن يفرض نفسه فاعلاً أساسياً في المشهد السياسي، وأن يقود الحزب إلى رئاسة الحكومة. وهذا درس بليغ: الزعامة تُبنى بالممارسة لا بالتوقعات.
الهجوم المبكر على محمد شوكي يعكس أيضاً أزمة أعمق في الثقافة السياسية المغربية: الرغبة في إسقاط الأشخاص قبل اختبار البرامج، ومحاكمة النوايا بدل محاسبة السياسات. فإذا كان شوكي سيفشل، فليكن الفشل نتيجة تجربة ومسؤولية ومحاسبة ديمقراطية. أما أن نحرمه من الفرصة منذ البداية، فذلك يعكس خوفاً من التغيير أكثر مما يعكس حرصاً على الديمقراطية.
ثم إن حزب التجمع الوطني للأحرار، كغيره من الأحزاب، يحتاج إلى تجديد نخبته القيادية، وإلى دماء جديدة قادرة على مواصلة المشروع السياسي للحزب وتكييفه مع تحولات المجتمع المغربي. شوكي يمثل، جزئياً، هذا الجيل الجديد من القيادات الحزبية التي خرجت من رحم المؤسسات البرلمانية، وتعرف دهاليز التشريع والسياسات العمومية. وقد يكون هذا التحول فرصة لإعادة صياغة خطاب الحزب وربط السياسة بقضايا المواطن اليومية.
المؤتمر الاستثنائي بالجديدة لن يكون مجرد محطة تنظيمية داخل حزب سياسي، بل سيكون اختباراً لنضج التجربة الحزبية المغربية. هل سنرى تنافساً حقيقياً وبرامج ورؤى، أم سنكتفي بتبادل الاتهامات والتشكيك؟ هل سنحاكم الأشخاص بناءً على خلفياتهم وتجاربهم، أم سنغرق مرة أخرى في الشعبوية الرقمية؟
في النهاية، محمد شوكي ليس قديساً سياسياً، ولا منقذاً منتظراً، ولا يجب أن يكون فوق النقد. لكنه أيضاً ليس مشروع فشل مسبق. السياسة ليست نبوءة، بل تجربة. ومن حق الرجل أن يُجرّب، ومن حق المغاربة أن يُحاسبوا. أما أن نُغلق الباب أمام التجربة قبل أن تبدأ، فذلك حكم بالإعدام على السياسة نفسها.
شوكي يستحق فرصة… لا لأنه الأفضل بالضرورة، بل لأن الديمقراطية لا تقوم إلا بمنح الفرص، ثم بالمحاسبة الصارمة.


