أخنوش مالك مزغب

يتعرض عزيز أخنوش، رئيس الحكومة إلى غاية شتنبر المقبل، ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار إلى غاية السابع من فبراير يوم المؤتمر المزمع عقده بمدينة الجديدة، لحملة نقد سياسي وإعلامي مستمرة، بعضها مشروع ومطلوب في أي نظام ديمقراطي، وبعضها الآخر يتجاوز النقد إلى منطق التبسيط الشعبوي، بل وإلى منطق “الشخصنة” التي تختزل السياسات العمومية في اسم واحد وصورة واحدة.
لا بأس أن ننتقد أخنوش. النقد ضرورة، بل واجب. والدليل أن الرجل نفسه لا يتردد في ممارسة نقد ذاتي في كتابه “مسار الإنجازات”، حيث يعترف بأن حكومته “نجحت هنا ولم توفق هناك”، وهي لغة نادرة في الخطاب السياسي المغربي الذي اعتاد تزيين الحصيلة بدل تفكيكها. الكمال لله وحده، والسياسة بطبيعتها مجال للخطأ والتجربة والتعديل. لكن المعضلة ليست في النقد، بل في الطريقة التي يُمارس بها النقد وفي المنطق الذي يحكمه.
هناك مثل دارج في المغرب يقول “مالك مزغب”، ويُستعمل لوصف الشخص الذي يُحمل مسؤولية كل شيء، مهما كانت طبيعة الحدث أو تعقيد أسبابه. وهذا بالضبط ما يعيشه عزيز أخنوش اليوم في المخيال الشعبي والسياسي. الجفاف؟ أخنوش. غلاء الأسعار؟ أخنوش. تراجع القدرة الشرائية؟ أخنوش. حتى تغير المناخ العالمي صار في بعض الخطابات مسؤولية رئيس الحكومة. وحين تسقط الأمطار بغزارة لم تشهدها المملكة منذ الثمانينات، لا نسمع من أصحاب نظرية “العقاب الإلهي لحكومة أخنوش” أي مراجعة أو أي اعتراف بأن الطبيعة لا تصوت في الانتخابات ولا تخضع للبرامج الحكومية.
في السياسة، هناك حدود لما تستطيع الحكومة فعله، وحدود لما تتحكم فيه الدولة الوطنية في زمن العولمة والأزمات العابرة للحدود. التضخم عالمي، تقلبات الطاقة عالمية، الجفاف ظاهرة بنيوية مرتبطة بالمناخ، وسلاسل التوريد مرتبطة بحروب وأسواق لا يتحكم فيها أي رئيس حكومة بمفرده. لكن الخطاب الشعبوي يحتاج دائماً إلى “عدو” بسيط وواضح، وشخص واحد تُلقى عليه كل الإخفاقات، حتى لو كانت جذورها أعمق من ولاية حكومية واحدة.
المفارقة أن نجاح تنظيم كأس الأمم الإفريقية، وما رافقه من أوراش بنية تحتية، وتجديد ملاعب، وتحسين طرق ومطارات وفنادق، لم يُقرأ سياسياً بالطريقة نفسها التي يُقرأ بها أي تعثر اجتماعي. لم يقل كثيرون إن الحكومة ساهمت في تسريع الأوراش، وإن الدولة المغربية في عهد هذه الحكومة رفعت سقف الاستثمار في الرياضة والبنية التحتية، وإن هذه المشاريع لها أثر اقتصادي وسياحي مباشر. النجاح غالباً ما يُنسب إلى “الدولة” بشكل عام، بينما الفشل يُلصق باسم رئيس الحكومة بشكل مباشر.
هنا يظهر جوهر الإشكال: أخنوش يُرى دائماً “مزغب”. أي أنه محكوم بصورة ذهنية مسبقة، تُصفّي الوقائع وفق منطق الاتهام الدائم. هذا ليس دفاعاً عن السياسات الحكومية، ولا تبرئة للحصيلة من الاختلالات، بل محاولة لفهم كيف تُبنى الصور السياسية في الوعي الجماعي، وكيف يُصنع “كبش فداء” في زمن الأزمات المركبة.
من الطبيعي أن يُنتقد أخنوش بسبب ارتفاع الأسعار، بسبب محدودية نتائج بعض البرامج الاجتماعية، بسبب بطء تنزيل بعض الإصلاحات الكبرى. لكن من غير المنطقي أن يُختزل المشهد الاقتصادي والاجتماعي المغربي في شخص واحد، وكأن الحكومات السابقة لم تترك تراكمات، وكأن البرلمان لا يشارك في التشريع، وكأن الإدارات العمومية لا تتحمل مسؤولية التنفيذ، وكأن الجماعات الترابية لا تتحمل مسؤولية السياسات المحلية. السياسة منظومة، وليست صورة على شاشة.
اللافت أيضاً أن خطاب “أخنوش المزغب” يلتقي فيه خصوم سياسيون من اتجاهات مختلفة، بعضهم يعارضه لأسباب إيديولوجية، وبعضهم لأسباب انتخابية، وبعضهم لأن الرجل يمثل نموذج رجل الأعمال الناجح الذي دخل السياسة من بابها الكبير. في كل الحالات، تُبنى سردية سهلة: رجل غني، رئيس حكومة، إذن هو المسؤول عن كل شيء. هذا المنطق قد يكون جذاباً جماهيرياً، لكنه لا يساعد على بناء نقاش عمومي ناضج حول السياسات العمومية، ولا على مساءلة المؤسسات بشكل منهجي.
إن أخطر ما في الشعبوية السياسية هو أنها تُريح الجمهور من التفكير المعقد، وتُقدم له إجابات بسيطة عن أسئلة مركبة. بدل أن نسأل عن نموذج التنمية، وعن العدالة الضريبية، وعن إصلاح التعليم والصحة، وعن توزيع الثروة، ننشغل بلعن أو تمجيد شخص واحد. وبهذا نفقد جوهر السياسة: النقاش حول الخيارات، وليس حول الأشخاص فقط.
عزيز أخنوش ليس ملاكاً ولا شيطاناً. هو فاعل سياسي داخل منظومة معقدة، له اختياراته وله حدود فعله، له نجاحات وإخفاقات. نقده ضرورة، لكن تحويله إلى رمز لكل الشرور الاقتصادية والاجتماعية ليس سوى اختزال مخل، قد يخدم لحظة سياسية، لكنه لا يخدم الحقيقة ولا الإصلاح.
ربما يحتاج المشهد السياسي المغربي اليوم إلى جرعة عقلانية أكبر: نقد صارم للسياسات، مساءلة دقيقة للحكومة، تفكيك للأرقام والبرامج، بدل الاكتفاء بخطاب “مال مزغب”. لأن السياسة، في النهاية، ليست حكاية فرد، بل قصة مجتمع كامل، بمؤسساته وتاريخه وتناقضاته.


