افتتاحية

جامعة الرباط

ليست جامعة محمد الخامس بالرباط مجرد فضاء للتدريس ومنح الشهادات، بل هي مدرسة فكرية كاملة، لها نبرتها الخاصة في التحليل، وحضورها الواضح في النقاش العمومي، وبصمتها الراسخة في الحقل الأكاديمي والإعلامي، بل وحتى في مواقع القرار والمسؤولية العليا. فمن هذه الجامعة تخرّجت أسماء صنعت الفرق، وأساتذة لم يكتفوا بجدران المدرجات، بل نقلوا المعرفة إلى قلب المجتمع، وأسهموا في تأطير النقاش العمومي وتوجيهه بعمق ومسؤولية.

وليس من باب الصدفة أن نجد أساتذة من جامعة محمد الخامس في مناصب وازنة، داخل المغرب وخارجه، كما هو الشأن بالنسبة لحسن طارق، الذي تألق سابقاً سفيراً للمملكة المغربية بتونس، قبل أن يُعيَّن اليوم على رأس مؤسسة وسيط المملكة. هذه المسارات لا تُقرأ فقط بمنطق التعيين، بل بمنطق التراكم العلمي والفكري الذي يصنع النخب الهادئة، القادرة على الجمع بين الصرامة الأكاديمية والحس المؤسساتي.

الأسبوع المنصرم كان بدوره شاهداً على هذا الزخم، من خلال حدثين بارزين سلّطا الأضواء على كليتين عريقتين من كليات الجامعة: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، وشقيقتها في السويسي. ففي أكدال، “أميرة الكليات”، نُظّمت ندوة علمية وازنة بعنوان: “انتخابات 2026.. القوانين ورهانات التمثيل والمشاركة”، في توقيت دقيق وحساس، حيث تتقاطع الأسئلة القانونية مع الرهانات السياسية، ويصبح النقاش العلمي ضرورة وطنية لا ترفاً أكاديمياً.

الندوة، التي امتدت على مدى يومين، وبالنظر إلى ثقل الأسماء المشاركة فيها، من أساتذة جامعيين وباحثين وفاعلين سياسيين من الأغلبية والمعارضة، نجحت في خلق نقاش موسع ومسؤول، تجاوز السجال الظرفي نحو مساءلة عميقة لمنظومة القوانين الانتخابية، وحدود التمثيلية، وأفق المشاركة السياسية في مغرب ما بعد الإصلاحات. وكانت هذه الندوة دليلاً جديداً على أن الجامعة، حين تنفتح على قضايا الساعة، تصبح فاعلاً مركزياً في ترشيد النقاش العمومي.

وفي اليوم الثاني، كشف عبد العالي حامي الدين، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق أكدال، عن معطى بالغ الدلالة، حين تحدث عن تنسيق تلقائي ومرن بين أكدال والسويسي. فقد تبيّن، بعد تواصله مع رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق السويسي، الأستاذ أحمد بوز، أن هذه الأخيرة كانت تستعد بدورها لتنظيم ندوة في نفس السياق. لكن بدل أن يتحول الأمر إلى تنافس ضيق أو حساسية مؤسساتية، جرى العكس تماماً: تعاون علمي راقٍ، وتكامل بين الشعبتين، تُوّج بندوة لقيت اهتماماً إعلامياً وأكاديمياً وسياسياً خاصاً. مشهد نادر، لكنه يعكس روح جامعة محمد الخامس حين تكون في أفضل تجلياتها: اختلاف في المبادرات، ووحدة في الرؤية.

الحدث الثاني، الذي يُنتظر أن تُحسم نتائجه اليوم الاثنين، ويتعلق بانتخاب الدكتور عبد الحافظ أدمينو عضواً بالمحكمة الدستورية، لا يقل دلالة عن سابقه. فأدمينو لا يمثل فقط اسمه الشخصي أو انتماءه الحزبي إلى حزب الاستقلال، بل يمثل مدرسة كاملة في القانون العام، وأحد رموز جامعة محمد الخامس، بكفاءته الأكاديمية العالية، وإسهاماته العلمية الرصينة، وأخلاقه الرفيعة التي تشهد لها الأوساط الجامعية قبل غيرها.

إن الحديث عن جامعة الرباط، أو جامعة محمد الخامس تحديداً، هو حديث عن استمرارية التأثير، وعن نخبة لا تكتفي بالتنظير، بل تساهم في البناء المؤسساتي للدولة، وفي تأطير لحظاتها المفصلية. وهي رسالة واضحة بأن الجامعة، حين تحافظ على استقلالها العلمي، وتفتح أبوابها للنقاش الجاد، وتُنتج أساتذة يجمعون بين المعرفة والمسؤولية، فإنها تتحول إلى رافعة حقيقية من روافع الديمقراطية والتحديث.

هكذا هي جامعة الرباط: حضور هادئ، تأثير عميق، وأسماء تشتغل بعيداً عن الضجيج، لكنها تترك بصمتها حيثما كانت.