حين تتحوّل الوطنية إلى غريزة: نقد الشوفينية في زمن الضجيج الرقمي

ليس عسيرًا أن تنزلق الجماعات، في لحظات التوتر والخوف، إلى أحضان الغريزة، فتستبدل التفكير بالانفعال، والحُجّة بالصراخ. في تلك اللحظة بالذات، تتقمّص الشوفينية لباس الوطنية، وتُقدَّم بوصفها دفاعًا مشروعًا عن الذات الجماعية، بينما هي في حقيقتها هروب من مساءلة هذه الذات.
تعميم الانتقام على جماعة بشرية كاملة بسبب أفعال أفراد منها ليس فعل قوة، بل علامة ضعف أخلاقي وعقلي. إنه منطق الغريزة العمياء التي ترى العالم في ثنائيات بدائية: نحن/هم، الخير/الشر، الوطني/الخائن. هذا المنطق لا يبني أوطانًا، بل يراكم الأحقاد ويُعمّق الأعطاب.
الوطنية الحقة، كما يبيّن عبد الله العروي، ليست حالة وجدانية عابرة، بل وعي تاريخي نقدي بالذات، وبالشروط الموضوعية لتخلّفها وتقدّمها. فحب الوطن لا يُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة العقل على التشخيص الصارم والاقتراح المسؤول.
غير أن ما نشهده اليوم، خصوصًا في فضاءات التواصل الاجتماعي، هو سيادة وطنية انفعالية، تختزل الوطن في ردّة فعل، وتختزل السياسة في سبّ وشتم، وتختزل النقاش العمومي في محاكمات أخلاقية سريعة. هنا يتحول “الرأي” إلى سكين، و”الانتماء” إلى ذريعة للإقصاء.
يورغن هابرماس نبّه مبكرًا إلى أن الفضاء العمومي لا يكون ديمقراطيًا إلا حين يقوم على الحجاج العقلاني، لا على الهيجان الجماعي. وعندما يفقد النقاش منطقه، تتحول الجماهير إلى كتلة عاطفية يسهل توجيهها، وتصبح الوطنية أداة تعبئة لا أفق تفكير.
في السياق المغربي، لا يمكن فصل هذا السلوك عن أعطاب أعمق: تعثر التنمية، هشاشة المدرسة، فقر النقاش العمومي، وتآكل الثقة في الوسائط السياسية والثقافية. فالغريزة لا تحكم إلا حين يغيب الأمل، وحين يشعر الفرد بأن لا مكان له في مشروع جماعي عقلاني.
إن أخطر ما في الوطنية الزائفة أنها تُغلق باب النقد باسم “الاصطفاف”، وتُجرّم السؤال باسم “اللحظة”، وتُحوّل الاختلاف إلى خيانة. وهي بذلك تناقض جوهر الوطنية نفسها، التي لا تقوم إلا على التعدد، وعلى الاعتراف بالخلل، وعلى الرغبة في الإصلاح.
محمد عابد الجابري شدّد على أن العقل العربي لا ينهض إلا بالخروج من أسر البيان الانفعالي، والانتقال إلى البرهان والنقد. وهذا القول يظل راهنيًا اليوم أكثر من أي وقت مضى، في زمن تُدار فيه المعارك بالكلمات، وتُشعل فيه الحرائق بتدوينة.
الوطن لا يحتاج إلى حراس للغضب، بل إلى بناة للمعنى. لا يحتاج إلى جموع غاضبة، بل إلى مواطنين أحرار، قادرين على التمييز بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن أوهام الذات. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الانتقام، بل في ضبط النفس، وفي الثقة بالعقل.
إن إعادة تشغيل العقل، وسط هذا الضجيج، ليست خيانة للمشاعر، بل إنقاذ لها من الانحراف. الوطنية ليست غريزة تُستثار، بل مسؤولية تُمارَس، ومشروعًا أخلاقيًا وسياسيًا يتطلّب شجاعة النقد قبل شجاعة الهتاف.


