افتتاحية

عزلة العرايشي

تعيش الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، خلال الأسابيع الأخيرة، مرحلة غير مسبوقة من التوتر والارتباك، انعكست في عزلة رئيسها المدير العام، فيصل العرايشي، عن محيطه المهني والسياسي، وهو وضع لم تشهده المؤسسة منذ سنوات.

أزمة العرايشي ليست مجرد نزاع إداري داخلي؛ بل هي انعكاس لخلافات عميقة بين كبار صناع القرار في البلاد، تتعلق بالسياسة الرياضية والإعلامية، وطريقة إدارة ملفات حساسة أمام الرأي العام المغربي.

آخر أسباب هذه الأزمة، كما أكدت مصادر مطلعة، كان الخلاف بين العرايشي وفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ووزير الميزانية، على ملف التمديد لحسن بوطبسيل على رأس القناة الرياضية. هذا التمديد، الذي فرضه لقجع على العرايشي، أثار استياءً واسعاً داخل المؤسسة وبين المتتبعين للشأن الرياضي، خصوصاً بعد الأداء المخيب للقناة الرياضية خلال كأس الأمم الإفريقية الأخيرة. الفشل التنظيمي والتقني الذي شهدته “الرياضية” كان له صدى كبير في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر المغاربة عن خيبة أملهم من مستوى التغطية، وما رافقها من اختلالات فنية واضحة، حرمت الجمهور من متابعة لحظات كروية مفصلية، أبرزها نهائي البطولة.

ولم يقتصر الفشل على الأداء التلفزيوني فقط، بل تعداه إلى غياب الهوية البصرية للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في اللوحات الإشهارية المتعلقة بالبطولة، حيث تم الاعتماد بشكل كبير على مؤسسات إنتاجية خارجية، مما جعل الحدث يفقد أي بصمة للعلامة العمومية، وأدى إلى إحساس لدى المتابعين بأن المؤسسة فقدت قدرتها على التأثير والتمييز في أكبر حدث رياضي استضافه المغرب خلال السنوات الأخيرة.

وسط هذه الأزمة، ظهر فيصل العرايشي في لحظة رمزية، الأحد الماضي، في نهائي كأس الأمم الإفريقية بين المغرب والسنغال، أثناء وصول الأمير مولاي رشيد إلى ملعب مولاي عبد الله. الظهور كان لافتاً، لكن السياق المحيط به كشف واقعاً مختلفاً تماماً: العزلة داخل المؤسسة. إذ أفادت مصادر مقربة من العرايشي نفسه أنه لم يتمكن من الحصول على تذاكر لمقربيه طيلة البطولة، مما يعكس حجم التباعد بينه وبين صناع القرار داخل القطب العمومي، وحتى داخل دوائر السلطة التي من المفترض أن تحمي موقعه وتدعمه.

هذه المعطيات تجسد حالة العزلة التي يعيشها العرايشي على مستوى العلاقات المهنية والإدارية، وهو ما يجعل من موقعه كرئيس للقطب العمومي في التلفزيون عرضة للاهتزاز. فالوضع لم يعد يتعلق فقط بالفشل الإعلامي أو الخلافات الشخصية، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل المؤسسة، وأين ستتجه القيادة بعد مغادرته المرتقبة.

مصادر خاصة أكدت أن نهاية العرايشي على رأس التلفزيون ستكون إما في فبراير أو يونيو من هذه السنة، بعدما كانت هناك خلافات حادة لدى صناع القرار حول من سيخلفه. أسماء عديدة تم تداولها خلال الأسابيع الأخيرة، أبرزها أحمد الشرعي وعثمان الفردوس، لكن هذه الخيارات واجهت ترددات ومراجعات متواصلة، نظراً لحساسية المرحلة ولتعقيدات قيادة القطب العمومي في ظل تغييرات متسارعة.

اليوم، الأسماء الأكثر تداولاً تظل ثلاثية، تعكس لعبة المصالح والتوازنات داخل المشهد الإعلامي والسياسي: الاسم الأول هو سليم الشيخ، المدير العام للقناة الثانية، الذي إذا لم يُسند له قيادة القطب الرياضي داخل القطب العمومي، فقد يكون أبرز المرشحين لخلافة العرايشي. الاسم الثاني هو حسن خيار، المدير العام لقناة “ميدي1″، الذي رغم تراكم إخفاقاته خلال سنوات طويلة، ما زال يطمع في أن يكون قائد القطب العمومي بصيغته الجديدة. الاسم الثالث والأكثر حساسية، بحسب مصادرنا، هو محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، الذي يبدو أن له حضوراً سياسياً وإدارياً يُوازن بين المتنافسين، لكنه يثير تساؤلات حول مدى قدرته على إدارة مؤسسة إعلامية ضخمة في ظل كل هذه الأزمات.

عزلة العرايشي، إذن، ليست مجرد انعكاس لصراع إداري داخلي، بل هي نتاج تراكمات متعددة: تدخل سياسي مباشر، إخفاقات إعلامية بارزة، وتوترات شخصية لم تُحل طوال أشهر. الأمر يضع المؤسسة أمام اختبار حقيقي: هل ستنجح في تجاوز مرحلة الفراغ الإداري والحفاظ على استقلاليتها المهنية، أم ستظل رهينة التوازنات السياسية والمصالح الفردية؟

الملفت في هذه الأزمة هو أن العرايشي، رغم مكانته كرئيس للقطب العمومي، وجد نفسه محاصراً داخل شركته، عاجزاً عن ممارسة صلاحياته الطبيعية، ومحرومًا من أبسط أدوات الدعم الرمزي، مثل تأمين تذاكر لمرافقيه أو تعزيز مكانته أمام الحدث الرياضي الأبرز في البطولة. هذه الإشارة الرمزية، بحسب خبراء إعلاميين، تكشف أكثر من أي تصريح رسمي حجم التباعد بين العرايشي ودوائر القرار، ومدى ضعف موقعه في معادلة السلطة الإعلامية.

كما أن فرضية التمديد لبوطبسيل، الذي قوبل بسخط جماهيري واسع، جاءت لتؤكد أن المؤسسة أصبحت ساحة لصراعات بين النفوذ الرياضي والسياسي، حيث يفرض اللاعب الأقوى أجندته على المسؤول التنفيذي، مهما كانت النتائج أو الأداء. هذه الممارسة لم تكن فقط محبطة للعرايشي، بل أيضاً أظهرت محدودية استقلالية القرار الإداري داخل التلفزيون العمومي، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع مع مصالح الجهات السياسية والرياضية.

اليوم، وعلى وقع هذه الأحداث، يطرح السؤال الأكثر أهمية: كيف ستتعامل المؤسسة مع المرحلة الانتقالية؟ المغاربة، الذين تابعوا أخطاء القناة الرياضية خلال كأس إفريقيا، يراقبون عن كثب إدارة المرحلة القادمة، وينتظرون وضوح الرؤية بشأن القيادة الجديدة، البرامج الرياضية، والأداء الإعلامي العام. أي خلل في هذه المرحلة لن يكون مجرد إخفاق إداري، بل قد ينعكس على صورة المؤسسة أمام الرأي العام، ويؤثر على ثقة المشاهدين في التلفزيون العمومي.

من جانب آخر، عزلة العرايشي تكشف شيئاً أعمق: هشاشة المواقع القيادية في المؤسسات العمومية أمام الضغوط السياسية والمصالح المتشابكة. فحتى من يمتلك خبرة طويلة وكفاءة إدارية، قد يجد نفسه معزولاً وغير قادر على فرض توجهاته، إذا لم تتوافق إرادة الإدارة العليا مع مصالح القوى المؤثرة. وهذا ما يجعل من مرحلة الخلافة القادمة اختباراً حقيقياً للسياسات الداخلية في التلفزيون العمومي، ومدى قدرة المؤسسات على الحفاظ على توازنها المهني بعيداً عن الصراعات الشخصية والسياسية.

ختاماً، أزمة عزلة العرايشي ليست مجرد ملف إداري أو صراع شخصي، بل هي مؤشر على تحديات أكبر تواجه الإعلام العمومي المغربي في مرحلة حرجة. خروج العرايشي المرتقب، الصراعات حول خلفائه، الفشل الإعلامي السابق، غياب الهوية البصرية للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في لوحات البطولة، الاعتماد الكبير على مؤسسات إنتاجية خارجية، والتوتر مع الجهات الرياضية والسياسية، كلها عوامل تجعل من هذه المرحلة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة على الاستقرار، وضمان استمرارية أداء مهني يحترم ثقة الجمهور، بعيداً عن الحسابات السياسية والضغوط الخارجية.

إنها لحظة مفصلية، حيث سيكون كل قرار، وكل حركة في القطب العمومي، مراقباً عن كثب من قبل الرأي العام، وصناع القرار، والمنافسين المحتملين لخلافة العرايشي. والمؤكد أن ما سيحدث في الأشهر القادمة سيحدد إلى حد كبير مسار الإعلام العمومي الرياضي والثقافي في المغرب لسنوات قادمة، ويضع أسساً جديدة للعلاقات بين السياسة والإعلام في هذا البلد.