بلا قيود

التكنولوجيا تقتل بساطتنا

يشهد تاريخ جنسنا البشري أنّنا، بغضّ النظر عن مشاركتنا للكائنات الأخرى في مسار تحقيق ضرورات الطبيعة (الأكل والتكاثر)، قد خلقنا منعرجًا، أو مسارًا خاصًا، نُنتج فيه المعنى. فلم ننظر إلى الطبيعة بوصفها بيئةً تُلبّي حاجاتنا الفطرية فحسب، بل انسجمنا معها في ما يشبه سمفونية محكمة، كانت فيها التفاصيل تسير ببطء: من تساقط أوراق الخريف، وهدير المياه، ونضج الفواكه… تفاصيل تمشي على مهل، بينما نُراقصها بدورنا بإيقاع بطيء يُجاريها، كرقصة تانغو متناغمة، حيث كان للزمن طعم، وللحضور معنى.

غير أنّ الفضول البشري، ورغبته في السيطرة على مجريات الطبيعة، دفعاه إلى ابتكار تكنولوجيا مريحة في ظاهرها، مرعبة في باطنها؛ تظهر كقطنٍ ناعم من الخارج، تُريحنا لأنها تجعل تحقيق حاجاتنا أمرًا سريعًا، لكن عند فحصها عن قرب، نجدها كإسفنجٍ مليءٍ بالإبر: إسفنج يمتص معانينا، ويوخز أقدامنا بشكلٍ مؤلم، ليفسد رقصتنا مع الطبيعة. فقد استبدلنا تأمّل النجوم بضوء شاشاتٍ فارغة من المعنى ومليئة بالقرف، واستبدلنا حضورنا الجسدي في المصافحات والعناق، والتعبير الصادق عن الإعجاب، بعالمٍ خيالي تحكمه خوارزميات تختزل العلاقات الإنسانية في كبسة زر تحمل: «إعجاب»، أو «كره»، أو «غضب».

وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤلاتٍ جوهرية: هل جاءت التكنولوجيا لتخدم الإنسان أم لتُفرغه من إنسانيته؟ وهل ما نشهده مجرّد تطوّر تكنولوجي طبيعي، أم أننا أمام مسارٍ صامت نحو احتضار المعنى؟

لقد كنّا، سابقًا وقبل الزحف التكنولوجي، نشعر بهول المسافات بيننا في مختلف بقاع العالم. لم نكن بهذا القرب الذي نعيشه اليوم، لكننا، كأفراد وجماعات صغيرة، كنّا نملك اتصالًا حقيقيًا بالمحيط الذي نعيش فيه: معرفةً عميقة بأصدقائنا، وحميميةً مع عائلاتنا الصغيرة، وارتباطًا صادقًا بالتفاصيل التي تربطنا بالطبيعة. كان تواصلًا يمنح للشوق طعمًا خاصًا؛ حيث تُكتب الرسائل الورقية بشغف، وتسير ببطء، لكنها تصل بحبٍّ أكبر. نُضمّنها أبياتًا شعرية بسيطة، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الطرف المقصود، أثرًا يصعب نسيانه.

كنّا نصنع أدواتنا البسيطة ببطء، لكننا نضع فيها إبداعنا وقدرتنا على الابتكار. نصل إلى المعلومات بشقّ الأنفس، لكنها تترسّخ في عقولنا. هناك، حيث كان للبطء دورٌ أساسي في صناعة الفرد المفكّر، والمثقف، والمبتكر، السليم الروح، المتعطّش للاكتشاف، الذي يلامس تفاصيل الطبيعة ويُراقصها في جوٍّ روحاني مؤثّر.

لكن سرعان ما زحف التقدّم التكنولوجي، وخدعنا بإيهامنا بأن الحياة أصبحت أسهل، وأن الراحة والرفاهية هما الغاية القصوى. فتحوّلت رقصتنا المتناغمة إلى هرولة، ثم إلى سباقٍ فارغ نحو تضخيم الكمّ. صرنا نتعطّش للمتع المادية، ونرغب في امتلاك كلّ شيء في وقتٍ وجيز، بغضّ النظر عن قيمته الجوهرية في حياتنا، وكأن السرعة أصبحت فضيلة، ولو كان ثمنها فقدان المعنى.

ولعلّ ما نعيشه اليوم لا يبدو غريبًا أو مفاجئًا كما نتصوّر. فالإحساس بأن شيئًا ما ينكسر في علاقتنا بذواتنا وبالعالم سبق هذا العصر بزمن، وكأن هذا المسار كان مرئيًا من بعيد. لم يكن الخوف يومًا من الآلة في حدّ ذاتها، بل من تحوّلها إلى مرآة نرى فيها العالم والإنسان بصورةٍ أبسط، أفقر، وأكثر قسوة. وما نلمسه اليوم ليس سوى تراكمٍ بطيء لخياراتٍ جعلت السرعة تعلو على التأمّل، والكمّ يطغى على العمق.

في هذا السياق، وجدنا أنفسنا غارقين في طوفانٍ من المعلومات؛ نعرف كلّ شيء تقريبًا، لكننا نفهم القليل. أصبح الوصول إلى المعلومة سهلًا، بينما ترسّخها أشدّ صعوبة. لم تعد المعرفة رحلة، بل تدفّقًا مستمرًا، ولم تعد الذات كائنًا يبحث عن المعنى، بل وحدةً رقمية تُقاس قيمتها بقدرتها على التفاعل. وفي الوقت نفسه، تآكلت العلاقات الإنسانية؛ تحوّلت الصداقة إلى أرقام، والحبّ إلى توافقات، والحضور إلى مجرّد ظهور عابر. أصبح “التراند” ديانتنا الجديدة، و دخلنا المادّي ربنا المعبود، نحن قريبون من الجميع، لكننا نادرًا ما نلامس أحدًا بعمق.

ومع هيمنة العالم الافتراضي، تغيّرت علاقتنا بالواقع نفسه. لم نعد نعيش اللحظة بقدر ما نُحضّرها للتوثيق، وكأن الحدث لا يكتسب وجوده إلا حين يتحوّل إلى صورة. صار الملفّ الرقمي للشخص أثقل وزنًا من حضوره الحقيقي، وأصبحت الصورة تحجب الأصل بدل أن تعكسه. زاد من حدّة ذلك إيقاع السرعة وثقافة التمرير المستمر، التي سرقت منا الصبر والإنصات والقدرة على التوقّف، بينما المعنى، بطبيعته، لا يولد إلا في البطء والصمت.

ويأتي نيتشه ليذكّرنا، بأسلوبه البسيط والحاد في الوقت نفسه، أنّ الإنسان الحقيقي هو من يحافظ على تناغمه الداخلي، ويخلق المعنى لحياته بيديه، رغم الضوضاء والسرعة حوله. فالمعنى ليس فيما يفرضه العالم الخارجي، بل في الإيقاع الذي نصنعه نحن لأنفسنا، في اللحظات الصغيرة التي نختار فيها العيش بوعي، التأمّل، والصدق مع أنفسنا ومع الطبيعة.

إننا لا ننكر دور التكنولوجيا في تقريب المسافات وتسهيل الحياة، لكننا دفعنا مقابل ذلك ثمنًا باهظًا. وصلنا المسافات جغرافيًا، ووسعنا الهوّة روحيًا. صنعنا أدوات ذكية، وتركنا ذكاءنا يصدأ ببطء. احتفلنا بانتصارٍ يشبه حفل زفاف، بينما كان المعنى، في الخلفية، يُشيَّع في جنازة صامتة.