نسرين الناصيري..لحمٌ مرّ يصعبُ مضغه

منذ أسابيع، تحوّلت نسرين الناصيري، مديرة الشركة الجهوية متعددة الخدمات بإقليم سطات، إلى هدفٍ مكشوف لحملة نهشٍ ممنهجة، لا تخطئ العين طابعها ولا تُخفي الأغراض التي تحرّكها. حملةٌ اختلط فيها التشهير بالتأويل، وتجاور فيها الادعاء مع التلميح، في محاولة واضحة لتشويه سمعة امرأة اختارت أن تدبّر مرفقًا عموميًا حساسًا بمنطق النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بمنطق “ترضية الخواطر” أو عقد الصفقات الرمادية.
نسرين الناصيري لم تأتِ من فراغ، ولم تُفرض على الإقليم بقرار معزول عن الكفاءة. مسارها المهني، كما يشهد به من اشتغلوا معها، قائم على الانضباط للقانون، واحترام المساطر، والصرامة في تدبير المال العام. وهي صفات نادرًا ما تُغري المنتفعين من الريع، بل على العكس، تُربكهم وتدفعهم إلى البحث عن أقصر الطرق لضرب المصداقية حين تعجز أياديهم عن اختراق القرار.
ما يثير الانتباه في هذه الحملة ليس فقط حدّتها، بل توقيتها أيضًا. فكلما تمّ الشروع في ضبط اختلال، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو إغلاق بابٍ كان يُفتح سابقًا بلا مفاتيح، إلا وارتفعت أصوات “الغيرة على المرفق العام” بشكل مفاجئ، وتحوّل بعض من صمتوا طويلًا عن أعطاب حقيقية إلى أوصياء على الأخلاق والتدبير. هنا بالضبط تتضح الصورة: ليست القضية نزاهة ولا مصلحة عامة، بل مقاومة لنهجٍ جديد لا يُساير عادات قديمة.
الذين حاولوا النيل من نسرين الناصيري تناسوا، أو تجاهلوا عمدًا، أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات ليست ملكًا لأشخاص ولا مجالًا لتصفية الحسابات، بل مؤسسة عمومية تخضع لقوانين واضحة ولمراقبة متعددة المستويات. وتناسوا كذلك أن أي اتهام، إن كان جديًا، له قنواته القانونية، أما القذف عبر المقالات الموجّهة ومنصات التشهير، فلا يخدم إلا من يخاف الضوء ويُجيد العمل في الظل.
اللافت أن كل ما كُتب وقيل، رغم كثافته، لم يقدّم معطى واحدًا ثابتًا، ولا وثيقة واحدة دامغة، ولا قرارًا إداريًا مشبوهًا يُمكن البناء عليه. مجرد كلامٍ إنشائي، يُراكم النعوت ويُكثر من علامات الاستفهام، في رهانٍ مكشوف على التأثير في الرأي العام، بدل الاحتكام إلى الوقائع. وهذا في حد ذاته شهادة غير مباشرة على صلابة الموقف ونظافة اليد.
نسرين الناصيري، في هذا السياق، لم تخرج للردّ الشعبوي، ولم تنجرّ إلى معارك جانبية. اختارت الصمت المؤسسي، والعمل الهادئ، وترك النتائج تتحدث. وهو اختيار لا يُقدم عليه إلا من يثق في نفسه، وفي مساره، وفي أن الزمن كفيل بفرز الغث من السمين. فالنزاهة، حين تكون فعلًا يوميًا لا شعارًا، لا تحتاج إلى صراخ.
قد يكون “اللحم المرّ” صعب المضغ فعلًا، لكنه في النهاية صحي، ويكشف الأسنان الضعيفة قبل القوية. وما تتعرض له نسرين الناصيري اليوم ليس إلا ثمن الاستقامة في بيئة اعتادت المجاملة، وثمن القرار في زمن الرمادية. أما السمعة، فحين تُبنى على العمل والشفافية، لا تهزّها حملات عابرة، مهما ارتفعت نبرتها أو تغيّرت أقنعتها.


