متفرقات

من كواليس مؤتمر الأحرار

لم يكن صباح الجديدة أمس السب عادياً. السماء كانت مترددة بين شمس شتوية خجولة وضباب خفيف ينسحب ببطء عن ساحل المدينة، لكن داخل مركز المعارض محمد السادس، كانت الصورة أكثر وضوحاً: الأزرق يهيمن على كل شيء، لون الحمامة التي جاءت لتجدد قيادتها وتعلن مرحلة جديدة في تاريخ حزب التجمع الوطني للأحرار.

في القاعة الكبرى، حيث ترفرف الأعلام وتتعالى الشعارات، بدا المؤتمر الوطني الاستثنائي أقرب إلى لحظة مفصلية في مسار حزب قاد الحكومة المغربية لسنوات. ومع الإعلان الرسمي عن تزكية محمد شوكي رئيساً جديداً للحزب خلفاً لعزيز أخنوش، كان المشهد السياسي يُكتب من جديد، لا عبر الكلمات الرسمية فقط، بل عبر تفاصيل إنسانية دقيقة في الكواليس.

في أروقة القاعة، اشتغل فريق التواصل بحرفية لافتة. شباب وشابات يحملون شارات تعريفية، يتحركون بين الصحفيين بلباقة عالية، يقدمون ملفات إعلامية، ينسقون لقاءات سريعة مع قيادات الحزب، ويوجهون الكاميرات نحو اللحظات التي يريد الحزب إبرازها. كل تصريح كان محسوباً، وكل صورة كانت جزءاً من سردية انتقال هادئ ومدروس للقيادة.

لكن خلف هذا التنظيم المحكم، كانت هناك لحظات أقل رسمية وأكثر إنسانية.

عزيز أخنوش، الرجل الذي قاد الحزب إلى رئاسة الحكومة وارتبط اسمه بمرحلة سياسية كاملة، جلس في الصف الأمامي بهدوء لافت. حين صعد إلى المنصة لإلقاء كلمته الوداعية كرئيس للحزب، بدا صوته ثابتاً، لكن عينيه كانتا تفضحان ما تحاول الكلمات إخفاءه. في لحظة معينة، وهو يستعرض مسار الحزب وتضحيات مناضليه، توقفت الجملة عند حافة الصمت، وارتعشت النظرة قليلاً. لمعان خفيف في العينين، مسحه أخنوش بحركة سريعة للرأس، وكأنه يرفض أن تتحول اللحظة إلى مشهد عاطفي كامل، لكنه لم يستطع إخفاء الثقل الرمزي للوداع.

في الصفوف الأولى أيضاً، ظهرت علامات التأثر على عدد من قيادات الحزب. بعضهم كان يصفق بحماس ظاهر، لكن نظراتهم كانت مشدودة إلى المنصة بامتنان واضح. قيادات عاصرت صعود الحزب من المعارضة إلى قيادة الحكومة، بدت عليها ملامح حنين لمرحلة تُغلق، وخوف مشروع من مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بالكامل بعد. إحدى القيادات النسائية مسحت دموعها بهدوء، بينما حاول آخرون إخفاء تأثرهم بابتسامة بروتوكولية لا تخطئها عدسة كاميرا محترفة.

في الكواليس، كان الصحفيون يلتقطون ليس فقط التصريحات، بل الهمسات أيضاً. حديث عن توازنات جديدة داخل الحزب، عن أسماء ستصعد وأخرى ستتوارى قليلاً، وعن رهانات سياسية تنتظر القيادة الجديدة. فريق التواصل كان يحرص على توجيه النقاش نحو خطاب الوحدة والاستمرارية، لكن لغة الجسد داخل القاعة كانت تقول إن الحزب يدخل مرحلة إعادة ترتيب داخلي عميق.

محمد شوكي، الرئيس الجديد، بدا هادئاً، محسوب الخطوات. صافح أخنوش بحرارة، وتبادل معه كلمات قصيرة بعيداً عن الميكروفونات. كانت لحظة انتقال رمزية، تحمل في طياتها معنى الاستمرارية، لكنها أيضاً تحمل عبء التوقعات والرهانات.

مع نهاية الجلسة، خرج المؤتمِرون إلى باحة المركز، الصورة الزرقاء بقيت واضحة، كما لو أن الحزب أراد أن يقول إن لون الحمامة سيظل حاضراً، مهما تغيرت الوجوه.

في ذلك اليوم، لم يكن مؤتمر الأحرار مجرد محطة تنظيمية، بل كان لحظة إنسانية أيضاً: دموع مكبوتة، مصافحات طويلة، ووعي جماعي بأن السياسة ليست فقط برامج وخطابات، بل أيضاً مسارات شخصية تُختتم وأخرى تبدأ تحت أضواء القاعات الكبرى وكواليسها الصامتة.