الدراجي يصرف أحقاده على المغرب والخليفي مطالبٌ بمعاقبته

مرة أخرى، اختار حفيظ الدراجي أن يخرج عن واجب المهنية، وأن يستبدل لغة التحليل الرياضي الرصين بخطاب ملتبس، مشحون بالإيحاءات والمغالطات، وهو يتحدث عن الجماهير في كأس الأمم الإفريقية المقامة بالمغرب. تصريحات لا يمكن تصنيفها في خانة “زلة لسان”، ولا تبريرها بضغط البث المباشر، لأنها جاءت متكررة، ومشحونة بنَفَسٍ عدائي واضح، وتُسقِط عن صاحبها الحدّ الأدنى من الموضوعية المطلوبة من معلق يعمل في شبكة بحجم “بي إن سبورت”.
الدراجي، وهو يعلّق على بعض المباريات، قدّم صورة مشوّهة عن الحضور الجماهيري، متجاهلاً معطيات بديهية يعرفها أي صحافي رياضي: اختلاف توقيت المباريات، توزيع الملاعب على مدن متعددة، طبيعة المنتخبات المتبارية، وكذا كون بعض المباريات تُبرمج في أوقات عمل أو أيام غير مناسبة للجماهير. ورغم ذلك، تعمّد تعميم حالات معزولة، وقدّمها وكأنها “قاعدة” تعكس فشل التنظيم أو برود الجمهور المغربي، في مغالطة واضحة لا تخدم إلا سردية مسبقة.
الأخطر في خطاب الدراجي ليس فقط ما قاله، بل ما اختار ألا يراه. فقد تجاهل عمداً صور الملاعب الممتلئة في مباريات المنتخب المغربي، ومواجهات كبرى لمنتخبات إفريقية لها قاعدة جماهيرية واسعة، وتغاضى عن الأجواء الاحتفالية في محيط الملاعب، وعن التنظيم المحكم الذي أشادت به وفود “الكاف” وإعلام دولي غير متورط في حسابات أيديولوجية أو شخصية. هذا الانتقاء في الوقائع يطرح سؤال النية، لا الكفاءة.
المغاربة لا يناقشون حق أي إعلامي في النقد، بل يرفضون التدليس. النقد يُبنى على الأرقام، والمقارنة، والسياق، لا على الانطباعات العابرة ولا على تصفية الحسابات. عندما يصرّ معلق بحجم الدراجي على التقليل من قيمة جمهور بلدٍ مستضيف، دون سند موضوعي، فإن الأمر يتحول من رأي شخصي إلى إساءة ممنهجة، خصوصاً عندما تصدر من منبر يصل إلى ملايين المشاهدين.
وليس خافياً أن علاقة الدراجي بالمغرب ليست في أفضل حالاتها منذ سنوات، بسبب مواقف سياسية وإعلامية معروفة، اختلط فيها الرياضي بالإيديولوجي، والإعلامي بالناشط. غير أن استغلال حدث رياضي قاري لتفريغ هذه الأحقاد يُعد انحرافاً مهنياً خطيراً، لأن “بي إن سبورت” ليست صفحة شخصية على مواقع التواصل، بل مؤسسة إعلامية يفترض فيها الالتزام بخط تحريري متوازن، واحترام البلدان والجماهير، خاصة حين تكون طرفاً في تنظيم تظاهرة إفريقية كبرى.
من هنا، تبرز مسؤولية ناصر الخليفي، مدير قنوات “بي إن سبورت”، ليس فقط بصفته مسيراً تنفيذياً، بل باعتباره المسؤول الأول عن الخط التحريري للشبكة. الصمت عن هذه الانزلاقات يُفهم إما كتواطؤ، أو كاستخفاف بذكاء المشاهد المغربي والعربي. والمطلوب اليوم ليس بياناً دبلوماسياً، بل مساءلة واضحة، ورسالة حازمة مفادها أن الميكروفون ليس سلاحاً لتصفية الحسابات، وأن التعليق الرياضي له ضوابط أخلاقية لا تقل أهمية عن قواعد اللعب داخل المستطيل الأخضر.
إن المغرب، الذي نجح في تنظيم نسخة مشرفة من “الكان” بشهادة القريب والبعيد، لا يحتاج إلى شهادة من حفيظ الدراجي ولا إلى تزكية من غيره. ما يحتاجه هو احترام الحقيقة، واحترام جمهوره، واحترام مجهود آلاف المتطوعين والمنظمين الذين اشتغلوا بصمت. أما تحويل لحظات بث مباشر إلى منصة لتصريف الأحقاد، فذلك سلوك يستوجب المحاسبة، لا المجاملة.
ختاماً، فإن معاقبة الدراجي — إن تمت — لن تكون استهدافاً لشخصه، بل دفاعاً عن مهنية الإعلام الرياضي العربي، وحماية لحق المشاهد في معلومة وتحليل غير منحازين. وعلى الخليفي أن يختار: إما الانتصار لقيم الشبكة التي يديرها، أو تركها رهينة لأمزجة معلقين يخلطون بين الرياضة وخصوماتهم الخاصة.


