حقيقةُ خالد الحري

حقيقة خالد الحري تبدأ من حيث ينتهي الضجيج. فالتسريب الذي خرج من اجتماع مداولة مغلق، بما فيه من قيل وقال وهمسات وتعاليق جانبية و”تقشاب”، لا يكشف في الحقيقة سوى جزءٍ عابر من نقاش داخلي، لا يقاس به جوهر الناس ولا معدنهم. والاجتماعات المهنية بطبيعتها فضاءات بلا بروتوكول، تُقال فيها أشياء قد تُفهم خارج سياقها، ولا تعكس بالضرورة حقيقة أصحابها. لذلك، لا يهمني لا السلهامي ولا الورياغلي التي بيني وبينها ملف معروض أمام القضاء. ما يهمني وحده في هذه القصة كلها هو خالد الحري… وحقيقة خالد الحري، والوجه الآخر الذي لا يعرفه كثيرون.
عرفت الرجل في الأشهر الأخيرة فقط. لم تربطني به سنوات من العمل ولا علاقة متواصلة، ومع ذلك كانت المدة كافية لأتعرف على شخصية مختلفة تماماً عن الصورة التي يحاول البعض رسمها. خلف مدير نشر “الصباح” هناك إنسان هادئ، محبّ للخير، ومسارع لفعله دون أن ينتظر شكراً أو اعترافاً.
خالد الحري ليس من أولئك الذين يضعون المعروف على الميزان. يكفي أن تطرق بابه في ضيق، لتجد أن الاهتمام يأتي قبل السؤال، وأن الحل يُبحث عنه قبل أن تُشرح المشكلة. هكذا عرفته: رجل يسمع قبل أن يحكم، ويساعد قبل أن يتردد، ويقدّم خيره دون أن يلتفت لردود الأفعال.
كم من عملية جراحية تكفل بها بصمت، وكم من جنازة تحمل تكاليفها دون أن يعرف أحد. أسرٌ كاملة كانت ستغرق في الهمّ لولا أنه تدخل. أشخاص غرباء لا صلة تربطهم به سوى أنهم في حاجة، وجدوا في الرجل سنداً لا يعرفونه من قبل. تلك ليست قصصاً تُروى للتجميل، بل شهادات واقعية ممن عاشوها وأحسّوا بها.
في الوسط الصحافي، حيث الضغوط كبيرة والوقت ضيّق، يحتاج المرء أحياناً إلى من يخفف عنه، لا من يضيف إلى أعبائه. وهنا يظهر الفارق بين من يتعامل بمنطق السلطة ومن يتعامل بمنطق الإنسان. كثيرون يصلون إلى مواقع المسؤولية فيفقدون البساطة، لكن خالد الحري ظلّ محافظاً على قربه من الناس، وعلى ذلك الحس الذي يجعل الآخرين يشعرون بالأمان حين يقصدون مكتبه.
اكتشفت فيه رجلاً مطفئاً للخصومات، غير مولع بالمعارك الصغيرة التي تجتاح المهنة. يعرف كيف يبني جسور التفاهم، وكيف يحول الخلاف إلى فرصة للحوار. لا يحرّض ولا يهاجم ولا يوزع الاتهامات يميناً وشمالاً، بل يقدّم نموذجاً لمسؤول يعتبر أن دوره الحقيقي هو حماية المهنة لا الزج بها في الصراعات.
ومع ذلك، لا يتحدث الرجل عن نفسه. لا ينشر صوراً وهو يقدّم مساعدة، ولا يعلن عن مبادراته، ولا يتباهى بأعمال الخير. كأنه يعتبر أن الفعل الحقيقي هو الذي يتم في الخفاء، بين صاحب الحاجة وربّ الخلق، وليس بين صاحب الحاجة ووسائل التواصل.
بين كل ما يقال في الوسط الإعلامي، وكل ما يُروَّج لتصفية الحسابات أو لتسجيل مواقف ظرفية، تبقى الحقيقة أبسط بكثير: الأعمال الصادقة تسبق الكلمات، والناس تعرف من يمدّ اليد حين يشتد الضيق. لذلك أكتب الآن عن رجل لم يطلب الدفاع عنه، ولم يسعَ لأي تبرير. أكتب عنه لأن الصورة السائدة ناقصة، ولأن الإنصاف يقتضي أن يُرى الجانب الذي يفضّل هو أن يظل خافياً.
خالد الحري، كما عرفته، ليس عنواناً للجدل، ولا اسماً لتسجيل النقاط. هو رجل يحمل في قلبه مساحة واسعة للآخرين، ويعتبر الخير التزاماً وليس فخراً. قد يخطئ مثل غيره، وقد يُفهم كلامه أحياناً على غير ما يقصد، لكنه حين يعود إلى نفسه، يعود إليها بخصلة نادرة: أن يقدم ما يستطيع لمن يحتاج، دون ضجيج، ودون انتظار مقابل.
هذه هي حقيقة الرجل كما عاينتها، كما رواها من عرفوه، وكما تثبتها أفعاله قبل أقواله. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الأفعال، يبقى الإنسان هو ما يتركه من أثر… وخالد الحري، مهما قيل، يترك أثراً لا يمكن إنكاره.


