السلطة الرابعة

“صحافي لا بأس به”.. مغمورٌ يخلقُ الفتنة داخل “ميدي1” ويمتطي ظهر جمعية للاغتناء

قبل عشر سنوات، فجّرت تسريبات “كريس كولمان” جدلاً واسعاً بعدما كشفت عن أسماء صحافيين يشتغلون وفق أجندات معيّنة، بعضها مرتبط بمصادر تمويل مشبوهة، وبعضها الآخر بخلفيات شخصية لا علاقة لها بأخلاق المهنة.

وفي إحدى تلك الوثائق، وُصِف اسمٌ معيّن بأنه “صحافي لا بأس به”.. توصيف يبدو اليوم أكثر تهكماً مما كان عليه حينها، بالنظر إلى المسار الغريب الذي اختاره صاحبنا لنفسه.

هذا “اللا بأس به” تحوّل مع مرور الوقت إلى مشروع انتهازي صغير، يطارد الامتيازات مثلما يطارد الظلّ الضوء. يحلم بشقة فاخرة في حي الرياض، وبالذهاب يومياً إلى طنجة من الرباط عبر الـTGV ذهاباً وإياباً، ويتطلع إلى راتب أكبر من مجرد رئيس تحرير داخل قناة “ميدي1”، رغم أن القناة نفسها تعيش واحدة من أسوأ فتراتها التحريرية مع حسن خيار، الذي فشل في إعادة الروح إلى مؤسسة كانت يوماً رقماً صعباً في الإعلام المغربي والدولي.

داخل أروقة “ميدي1″، يقدّم “الصحافي لا بأس به” نفسه بكونه “فاهم المهنة وقوالبها”، وبأنه صاحب خبرة وخفايا.. لكنّ الحقيقة داخل المطبخ التحريري مختلفة تماماً: مجرد شخص يزرع الفتنة بين الزملاء، ويلعب على تناقضاتهم، ويسوّق لنفسه أكثر مما يعمل. لا يملك مشروعاً مهنياً، ولا رؤية، ولا مهارات تحريرية تُذكَر، لكنه يملك شيئاً واحداً: القدرة على خلق الضجيج.

وأكثر من ذلك، وجد لنفسه بوابةً إضافية للاغتناء: جمعية باهتة لا يسمع بها أحد، يستعملها كورقة ضغط على الإدارة من جهة، وكآلية لجلب التمويلات من جهة أخرى، بمساعدة “صديقته المقربة جداً جداً”، التي تقدَّم باعتبارها “فاعلة مدنية”. لكن العمل المدني الحقيقي بعيد كل البعد عن هذا النوع من العلاقات التي تُبنى على المصالح وتبادل المنافع.

داخل القناة، يتصرف وكأنه صاحب سلطة: يمارس “الفيتو” على بعض الصحافيين كي لا يظهروا في برامج معينة، ويعرقل مشاركة آخرين في إنتاجات تلفزية لأن وجودهم قد يسلّط الضوء على ضعفه ومحدوديته. كما وصلت الأمور إلى تسجيل حالات عدم التزامه بمهام تم الاتفاق عليها مع مؤسسات دولية مثل “ميطا”، إذ يحصل على الأموال دون تقديم الخدمة المطلوبة، في ممارسة تطرح سؤال الشفافية قبل سؤال الأخلاق.

هذا السلوك لا يسيء فقط إلى صورة القناة، بل يضرب المهنة في عمقها. فحين يصبح “اللا بأس به” صاحب نفوذ، ويُمنح سلطة القرار داخل مؤسسة إعلامية عريقة، يصبح من الطبيعي أن تنحدر الجودة، وأن تتسع الفجوة بين ما ينتظره الجمهور وما يُقدَّم فعلياً من محتوى.
إننا أمام حالة صحافي لا يجتهد لتطوير نفسه، ولا يحترم أخلاق المهنة، لكنه يجتهد كثيراً في هندسة العلاقات الخلفية، وفي بناء شبكة من المصالح الصغيرة، وفي تمويه الإدارة بملفات جمعوية مشبوهة. وهي وضعية تستدعي وقفة تأمل داخل “ميدي1” نفسها: كيف يُسمح لشخص بهذه المواصفات أن يتحكم في مسارات زملاء؟ وكيف تُترك الجمعية التي يمتطيها بلا افتحاص ولا مراقبة؟ وأين هي الحكامة التي تُفترض داخل مؤسسة إعلامية عمومية أو شبه عمومية تُمول من المال العام بشكل مباشر أو غير مباشر؟
سنعود في مقالات مقبلة إلى كشف كواليس إضافية حول هذا “اللا بأس به”: كيف يتلاعب بالمهام التحريرية، محاولاته إسكات الأصوات المهنية داخل القناة، ولماذا يخشى من أي حضور إعلامي قوي لزملائه. كما سنعود بالتفصيل إلى ملف الجمعية التي حولها إلى قناة للتمويل غير الواضح، وإلى علاقته الوثيقة بصديقته “الفاعلة المدنية”، وإلى ضرورة فتح تحقيق وافتحاص شامل لمالية جمعيته الباهتة.
المعركة اليوم ليست مع شخصٍ “لا بأس به”، بل مع نموذج خطير من نماذج الاستغلال داخل الصحافة المغربية—نموذج يجب فضحه كي لا يتحوّل إلى قاعدة.