افتتاحية

سقطاتُ بوطبسيل

لم يكن ما حدث الاسبوع المنصرم مجرد “خلل تقني عابر” كما حاول مدير القناة الرياضية، حسن بوطبسيل، تبريره. فحرمان ملايين المغاربة من متابعة أكثر من عشرين دقيقة من مباراة الوداد البيضاوي وحسنية أكادير، لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة سقطات متتالية تعصف بمصداقية القناة، وتكشف عن أزمة تسيير بنيوية داخل مؤسسة يفترض أن تكون الواجهة الإعلامية للرياضة الوطنية.

فبينما كانت الجماهير تترقب لحظات الحسم في لقاء مثير، وجد المشاهد نفسه أمام شاشة سوداء وصمت مطبق. دقائق ثقيلة مرّت دون تفسير، قبل أن يظهر بوطبسيل لاحقاً ليُرجع السبب إلى المصدر، وبث شريطاً أسفل الشاشة لدقائق طويلة ضدا في الاعراف، في تبرير بدا أكثر سذاجة من الواقعة نفسها.

لكن المعطيات التي حصل عليها موقع زون24 كشفت عكس ذلك تماماً، مؤكدة أن القناة كانت تتوفر فعلاً لقطات البث الكامل للمباراة، وأن العطب لم يكن خارجياً بل داخلياً، ناتجاً عن سوء التنسيق وسوء تدبير الإرسال، وعن تصريف حسابات بينه وبين رئيسه المباشر فكيف بثت الأهداف بعد ذلك؟

هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها، بل تضاف إلى سجل طويل من الأعذار الواهية التي أضحت سمة إدارة القناة الرياضية منذ تولي بوطبسيل منصبه. الرجل الذي دخل في صراعات داخلية مع مدير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، فيصل العرايشي، يبدو اليوم وكأنه يحوّل هذا الصراع الإداري إلى معركة على حساب المشاهد المغربي.

ففي الوقت الذي يُفترض أن تنسجم مؤسسات الإعلام العمومي لضمان خدمة احترافية، يعيش المشهد الداخلي للقناة حالة احتقان واضحة: تبادل اتهامات، قرارات مرتجلة، وتغليب منطق الولاءات على الكفاءة المهنية. وبدل أن تكون القناة الرياضية فضاءً لتطوير المنتوج الإعلامي الرياضي الوطني، تحوّلت إلى ساحة صراع نفوذ يضيع فيها صوت المهنية.

إن ما يجري اليوم داخل القناة لا يمكن فصله عن السياق الرياضي والإعلامي المقبل. فالمغرب مقبل على استحقاقات كبرى، في مقدمتها كأس الأمم الإفريقية 2025 واحتضان جزء من كأس العالم 2030، وهو ما يضع الإعلام الرياضي الوطني أمام اختبار حقيقي. فكيف يمكن لقناة ما زالت تتعثر في نقل مباراة محلية، أن تكون في مستوى تغطية حدث عالمي بهذا الحجم؟

سقطات بوطبسيل لم تعد مجرد أخطاء مهنية، بل مؤشرات على فشل هيكلي في القيادة والتدبير. فحين يبرر المدير إخفاقاته بتصريحات مضللة، ويُخفي الحقائق عن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، فإن الأمر يتحول من سوء تدبير إلى خرق أخلاقي ومهني خطير.

ولعل ما يزيد الطين بلة هو الصمت المريب الذي يلف هذه الوقائع. لا مساءلة، لا توضيح رسمي، ولا إجراءات تصحيحية تُذكر. وكأن القناة الرياضية خارج منطق المحاسبة الذي يُفترض أن يطال كل مؤسسة عمومية تموَّل من المال العام.

لقد آن الأوان، اليوم، لفتح نقاش حقيقي حول واقع الإعلام الرياضي العمومي بالمغرب. نقاش يتجاوز الأشخاص إلى طرح سؤال جوهري: هل نمتلك فعلاً إرادة سياسية ومهنية لتطوير منتوجنا الإعلامي بما يواكب طموحات بلد يسير بخطى ثابتة نحو العالمية؟

ما وقع في مباراة الوداد والحسنية ليس مجرد خطأ عابر، بل ناقوس خطر يُنذر بأن الخلل أعمق مما يبدو. إنها سقطات متكررة، عنوانها العجز والتبرير، وضحيتها المواطن المغربي الذي لا يطلب أكثر من حقه في إعلام نزيه واحترافي.

لم يكن ما أقدمت عليه القناة الرياضية المغربية من بترٍ متعمّدٍ لخارطة المغرب حدثاً عرضياً يمكن تجاوزه بسهولة. ففي الوقت الذي تلتزم فيه كل مؤسسات الدولة المغربية بالدفاع عن الوحدة الترابية باعتبارها قضية مقدسة، سقطت القناة التي يُفترض أن تكون واجهة إعلامية وطنية في خطأ لا يُغتفر، يُعبّر عن خلل عميق في تدبيرها الإداري والمهني. الأسوأ من ذلك أن إدارة القناة لم تبادر إلى توضيحٍ أو اعتذارٍ رسمي للرأي العام، وكأن الأمر لا يعنيها، بينما ظل مديرها حسن بوطبسيل بمنأى عن أي مساءلة أو محاسبة حقيقية، في مشهدٍ يُجسد غياب الحكامة داخل مؤسسات الإعلام العمومي.

في الوقت الذي يُدان فيه صحافيون أو مواطنون لمجرد انتقادهم لمديري التلفزيون أو ممارساتهم، يمرّ بوطبسيل من كل العواصف دون أن يُصاب بخدشٍ بسيط. هذه المفارقة تطرح سؤالاً مقلقاً حول معايير العدالة المهنية داخل المنظومة الإعلامية الوطنية: هل المساءلة تُطبّق فقط على الضعفاء؟ أم أن المناصب العليا تمنح حصانة غير مكتوبة لمن يشغلها؟ إنّ استمرار هذه الثقافة يُضعف الثقة في الإعلام العمومي، ويكرّس الإحساس باللامساواة، ويجعل المواطن يرى في التلفزيون مؤسسة مغلقة تحمي مصالحها بدل أن تعبّر عن همومه وتطلعاته.

والمفارقة الأكبر أن الانتصارات التي يحققها المغرب في المحافل الدولية، بفضل الدبلوماسية الرصينة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، وينزلها على الأرض ناصر بوريطة في الخارجية وعمر هلال في الأمم المتحدة وآخرون في مواقع مختلفة، تصطدم داخلياً بوقائع مثل هذه، تُضعف صورة البلد وتربك الخطاب الوطني. فبينما تبذل الدبلوماسية المغربية جهوداً جبارة لتكريس مغربية الصحراء وترسيخ السيادة في كل المحافل، تأتي سقطات إعلامية من الداخل لتقضم من هذه الجهود، وتمنح الخصوم مادة جاهزة للطعن في صورة المغرب.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي لعبه فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ووزير الميزانية، في التمديد لبوطبسيل سنة إضافية على رأس القناة الرياضية، رغم تكرار الأخطاء التقنية والمهنية التي هزّت ثقة المشاهدين. فقد جاء هذا القرار، بحسب مصادر مطلعة، نتيجة اتصال مباشر بفيصل العرايشي للتمديد لهذا المسؤول،،غير أن هذا التمديد لم يُنتج سوى مزيد من الارتباك داخل القناة، وفتح الباب أمام جدلٍ أوسع حول حدود المسؤولية والمحاسبة في الإعلام العمومي المغربي.