القناة الأمازيغية..ا مولا نوبة

لا دخان بلا نار، وهذه المرة لم يأتِ الدخان من بعيد، بل من داخل دهاليز القناة الأمازيغية، التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، حيث أحال الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط عدداً من مسؤولي القناة على قاضي التحقيق، على خلفية شبهات ثقيلة تتعلق باختلاس وتبديد أموال عمومية وسوء تدبير مالي وإداري. إنها نوبة الحساب التي تأخرت كثيراً، لكنها جاءت لتؤكد أن زمن الإفلات من العقاب بدأ يضيق، وأن المال العام، وإن نام طويلاً في دفاتر الصمت، لا ينسى.
القضية التي انفجرت كقنبلة إعلامية لم تأتِ من فراغ. فقد استندت التحقيقات إلى تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، رصدت اختلالات مالية وإدارية خطيرة عرفتها القناة الأمازيغية منذ انطلاقتها، خاصة في طريقة إبرام الصفقات، وانتقاء شركات الإنتاج، وتدبير ميزانية البرامج، إلى جانب شبهات تتعلق بالتلاعب في الفواتير وتكرار التعامل مع نفس الشركات دون منافسة حقيقية.
ومن بين الأسماء التي وردت في الملف، المدير السابق للقناة محمد مماد، الذي يواجه اتهامات تتعلق بتبديد المال العام وسوء التدبير. كما شمل التحقيق مسؤولين آخرين حاليين وسابقين، إضافة إلى ممثلين عن شركات إنتاج تعاملت مع القناة في ظروف توصف بغير الشفافة. ووفق المعطيات المتداولة، فقد قرر قاضي التحقيق اتخاذ إجراءات احترازية في حق بعض المتهمين، بينها سحب جوازات السفر ومنعهم من مغادرة التراب الوطني، في انتظار استكمال التحقيقات.
هذه التطورات ليست مفاجئة بالنسبة للمتتبعين، ولا سيما موقع “زون24″ الذي كان من بين المنابر الصحفية القليلة التي نبهت منذ سنوات إلى الاختلالات البنيوية التي تعرفها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وعلى رأسها قناة تمازيغت. فقد نشر الموقع أكثر من تحقيق يُبرز كيف تحولت المؤسسة إلى فضاء مغلق، تسيّره عقلية الزبونية والمحسوبية بدل الكفاءة والمساءلة. وحذّر حينها من أن استمرار هذا النهج سيقود حتماً إلى ما نشهده اليوم من مساءلات قضائية وتصدع في الصورة المؤسساتية للإعلام العمومي.
إن ما يجري اليوم لا يمس فقط أفراداً أو إداريين، بل يضرب في العمق ثقة المغاربة في إعلامهم العمومي، وفي مصداقية المشاريع التي تُمول من جيوبهم. فالقناة الأمازيغية، التي كان يُفترض أن تكون صوت الهوية واللغة والثقافة المغربية الأصيلة، تحولت في نظر الكثيرين إلى نموذج لتبذير المال العام في إنتاجات ضعيفة القيمة والمردودية، وأجور منتفخة لا تعكس المردود المهني.
لقد ظلت تمازيغت، منذ تأسيسها، رهينة التوازنات الداخلية للشركة الوطنية، تخضع في برمجتها لسلطة المركز أكثر مما تستجيب لحاجات جمهورها. كما أن غياب المراقبة المالية الدقيقة والتقييم الدوري للأداء جعلها أرضاً خصبة لتنامي التجاوزات التي يفضحها اليوم القضاء. ومع ذلك، فإن الملف لا يجب أن يُقرأ كحادثة معزولة، بل كجزء من صورة أشمل لأزمة الحوكمة داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، التي تستهلك ميزانيات ضخمة دون أن تنجح في إقناع المشاهد المغربي أو تطوير منتوجها الإعلامي.
إن الرهان اليوم ليس فقط على المحاسبة القضائية، بل على إعادة بناء الثقة عبر إصلاح حقيقي يضع الكفاءة والنزاهة في صدارة أولويات التسيير. لا يكفي أن ننتظر قاضي التحقيق ليقول كلمته، بل يجب أن تتحمل الحكومة والمؤسسات الوصية مسؤوليتها في فتح نقاش وطني حول نموذج الإعلام العمومي، ومراجعة طرق صرف ميزانياته، وتقييم مردوديته الثقافية والمجتمعية.
فـ”ا مولا نوبة” لم تعد مجرد عبارة متداولة في الشارع المغربي، بل باتت عنواناً لمرحلة جديدة في مساءلة المؤسسات العمومية. القناة الأمازيغية اليوم أمام امتحان صعب، فإما أن تُطهّر بيتها الداخلي وتستعيد دورها الثقافي الحقيقي، أو تبقى وصمة في جبين إعلام يفترض أنه ملك لجميع المغاربة، لا غنيمة للبعض منهم.


