إدريس كما عرفته

في سنة 2009 كنت مدمناً على جريدتي “الصباح” و”المشعل”. الأولى كانت بالنسبة لي مدرسة في فن العناوين، تعلمت منها كيف ألتقط روح الخبر وأصوغه في جملة قصيرة لافتة، حتى أن أصدقائي كانوا يقولون إنني أمتلك موهبة خاصة في صياغة العناوين، وهي وجهة نظرهم طبعاً. أما “المشعل”، فقد كانت أكثر من مجرد جريدة، كانت خطاً تحريرياً جريئاً يكتب في كل شيء وعن كل شيء بلا استثناء. ولهذا حزنت كثيراً يوم اعتقال مدير نشرها الزميل إدريس شحتان، قبل أن أعرفه لاحقاً في زمن الشدة، عندما أدارت النقابات ظهرها لي في أزمة ومحنة شخصية عشتها.
اللقاء الأول المباشر مع إدريس كان سنة 2017 في مكتب إذاعة MFM. يومها، بادر كمال لحلو بالقول: “تبادل النمرة مع إدريس، يبادلك الأخبار”. كنت حينها رئيساً لتحرير الموقع الإلكتروني للإذاعة. تبادلنا الأرقام فعلاً، وكان في الجلسة نفسها كل من فاطمة الزهراء الورياغلي ومصطفى الخلفي، غير أن التواصل لم يتجاوز ذلك اليوم، إذ كنت أرى أن من غير اللائق أن أزعج مدير “شوف تيفي”، الرجل الذي يفوقني بخبرة السنين الطويلة.
مرت الأعوام، إلى أن شاءت الصدف أن أجلس مع إدريس للمرة الأولى في مكتبه بالوازيس، خلال شهر رمضان من هذه السنة، وذلك بفضل تنسيق من الدكتور خالد الحري – الرجل الذي أفضّل أن أترك الحديث عنه للدنيا الآخرة، لأنه ببساطة يستحق كلاماً لا يختصر في سطور.
دخلت على إدريس وأنا أحمل في داخلي شعوراً بالذنب، فقد كنت قد أسأت إليه قبل أشهر عن غير قصد. لكنه استقبلني بما لم أتوقع: حب صادق وتسامح كبير. حينها اكتشفت أن الرجل بعيد كل البعد عن الصورة النمطية التي يسوّقها البعض عنه. قد نختلف حول الخط التحريري لموقع “شوف تيفي”، لكن لا يمكن أن نختلف حول نجاح التجربة: بالأرقام، بالإعلانات، بالتأثير، وبالحضور الطاغي في المشهد الإعلامي. والأهم من ذلك، لا يمكن أن نختلف حول إنسانية إدريس ونبل مواقفه.
مؤخراً، حين تعرض موقع “زون24” لعطل تقني أدى إلى توقفه لبضع ساعات، وصل الخبر إلى إدريس فقال ببساطة: “كونتي عيط ليا نعاونك”. قد تبدو هذه الجملة للبعض مجرد تفصيل عابر، لكنها بالنسبة لي تختصر الكثير: روح التضامن، البساطة، وصدق المعنى.
هكذا هو إدريس كما عرفته: صحافي وإنسان، جمع بين الجرأة في الكلمة والكرم في الموقف، وبين المهنية التي لا يختلف عليها أحد، والإنسانية التي لا تحتاج إلى برهان.


