أعطابُ اخشيشن

حين نتحدث عن النقابة الوطنية للصحافة المغربية، فإننا نتحدث عن مؤسسة كان من المفترض أن تكون صمام أمان للجسم الصحافي، ودرعاً يحميه في مواجهة التهديدات والضغوط والتعسفات. غير أنّ الواقع المرير الذي نعيشه اليوم يكشف لنا أن هذه النقابة لم تعد كما كانت، وأنها تحوّلت إلى هيكل متداعٍ، فقدَ بوصلة الدفاع عن الصحافيين، وأصبح رهينة أشخاص يجرّونها إلى الخلف بدلاً من أن يدفعوها إلى الأمام. وفي مقدمة هؤلاء، يبرز اسم عبد الكبير اخشيشن.
لقد انتظرت، بوصفي صحافياً، أن أجد تضامناً من النقابة عندما صدر حكم جائر ضدي من المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، قضى بأداء غرامة مالية ثقيلة بلغت ستين مليون سنتيم، على إثر دعوى تقدمت بها اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة. غير أنّ ما وقع كان صادماً: النقابة صمتت صمتاً مطبقاً، ولم تصدر حتى تدوينة يتيمة. وحين تعلق الأمر بنائب اخشيشن، تحركت بسرعة البرق وأصدرت بيانات ووقفات تضامنية. هذا الكيل بمكيالين يكشف أعطاب النقابة، ويعري أعطاب من يقودها.
أما عبد الكبير اخشيشن، فقصته قصة أخرى. رجل استولى على موقع النقيب بإيعاز من مشغله، مدير محطة إذاعية معروفة، بعدما جرى ترتيب عملية التصويت داخل النقابة بطريقة أقرب إلى المسرحية منها إلى الممارسة الديمقراطية. ومنذ ذلك الحين، صار الرجل أسيرَ خوفه وجبنه، غير قادر على تحمل النقد، ولا على مواجهة الرأي المخالف.
وحين نشر موقع “زون24” خبراً صحيحاً عن طرده من اجتماع رسمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لم يجد من ردٍّ سوى الانفعال والانزلاق نحو السعار، محاولاً الإساءة لاسمي وسمعتي في الأوساط المهنية، وهو أسلوب لا يليق بمن يقدّم نفسه “نقيباً” للصحافيين.
لقد رفضتُ أن أكون أداة في يد اخشيشن، أو أن يوظفني في معاركه الصغيرة ضد أعضاء اللجنة المؤقتة، وخاصة ضد يونس مجاهد وعبد الله البقالي. كما رفضت أن أسمح له باستغلال موقع “زون24” ليصفّي حساباته مع نقابة الاتحاد المغربي للشغل داخل القناة الثانية. ذلك أن الصحافة ليست خادماً لأجندات شخصية، ولا أداة للابتزاز النقابي.
إنّ الخسّة التي يتعامل بها اخشيشن، والانتكاسة التي جرّ إليها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، لا يمكن وصفها إلا باعتداء صارخ على مهنة الصحافة وأخلاقياتها. فبدل أن تكون النقابة بيتاً لجميع الصحافيين، تحولت إلى منصة للسفر والمؤتمرات الخارجية، من مصر إلى الأردن، بينما حقوق الصحافيين في الداخل تُهدر، وأصواتهم تُخنق.
لقد طويت صفحة خلافاتي مع اللجنة المؤقتة بفضل مبادرات من ذوي النيات الحسنة، واكتشفت متأخراً أن اخشيشن ومن يدور في فلكه كانوا المستفيدين الحقيقيين من تلك الصراعات، يوظفونها لحساباتهم الضيقة. واليوم، وقد انكشف المستور، بات واضحاً أن أزمة النقابة ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة بنية تآكلت بفعل الزبونية، والمحسوبية، والقيادات التي ترى في النقابة وسيلة للارتقاء الشخصي لا فضاءً للدفاع الجماعي.
أيها السادة، إنّ أعطاب عبد الكبير اخشيشن ليست سوى مرآة لأعطاب النقابة الوطنية للصحافة المغربية. نقابة لم تعد تعكس هموم الصحافيين ولا تحمي مصالحهم، بل صارت في أحيان كثيرة جزءاً من المشكلة. ولذلك، فإن معركة إصلاح الجسم الصحافي في المغرب لن تكتمل إلا بتحرير النقابة من مثل هذه القيادات، وإعادتها إلى جوهرها الأول: الدفاع عن الحقيقة، وعن الصحافيين، وعن الكرامة المهنية.


