تضامنٌ ضد مجرد خبرٍ

يبدو أن مقالاً نشره موقع “زون24” في الساعات القليلة الماضية حول خطأ مهني ارتكبته مقدمة الأخبار على القناة الثانية، حين أعلنت بشكل غير صحيح سنّ جلالة الملك محمد السادس في ذكرى عيد ميلاده، قد أثار ما يشبه العاصفة. الخطأ وارد، ولا أحد ينكر ذلك، غير أن حجم “التضامن” الذي انطلق فجأة مع المذيعة المعنية تجاوز حدود المعقول، حتى بدا وكأنه رد فعل مبالغ فيه ضد مجرد خبر عادي.
لقد استغربنا في “زون24” أن يتحول تنبيهٌ صحفي إلى حملة تخوين لكاتب المقال، وتأليهٍ لشخصية أخطأت في واجبها المهني. والمفارقة أن القناة نفسها تتوفر على طاقم إداري وصحفي كبير، قادر على تحمل المسؤولية وتوضيح الأمر، غير أن البعض فضل أن يلبس عباءة التضامن ليهاجم الموقع ويُخرجه من دائرة المهنية، وكأننا أمام مسرحية الغاية منها التلميع أكثر من الدفاع عن زميلة.
لسنا هنا في موقع الرد على أحد، بل للتوضيح أن ما نشر كان مجرد خبر، لا أكثر ولا أقل. أما من ظن أن كتابة تدوينة تضامنية قد تجعله في قلب النقاش العمومي، فليطمئن، لن يكون له ذلك. النفاق الذي يطبع بعض المواقف والانتهازية التي تسم بعض التصريحات، هما العنوان الحقيقي لما جرى. فمن بين “المتضامنين” أشخاص كانوا حتى الأمس القريب يجلسون في مقاهي شارع الزرقطوني وأنفا، ولم يتركوا للمذيعة المعنية مجالاً إلا وانتقدوه بحدة، قبل أن يغيّروا مواقفهم بقدرة قادر.
وهناك فئة أخرى – الانتهازيون الكبار – يعلمون جيداً طبيعة علاقاتهم بقسم الأخبار والمذيعة المعنية، غير أننا نترك تفاصيلها لوقتها المناسب. لكن ما يجب التذكير به أن التضامن لا يصنع وجوهاً ملائكية ولا يمحو أخطاء مهنية. بل إن بعض الأصوات بلغت بها السذاجة حد القول إن إعلان سن جلالة الملك بـ72 سنة بدلاً من 62 كان “فأل خير”. أي عبث هذا؟
جلالة الملك محمد السادس هو أمير المؤمنين، رئيس الدولة، وأب لجميع المغاربة. مكانته في قلوب المواطنين راسخة، ولا ينازع فيها أحد. ومن الكارثة أن يُخطأ في تاريخ ميلاده، ثم يُبرر ذلك على أنه “فأل خير”، في استخفاف بعقول المغاربة وبمقام المؤسسة الملكية.
الأسوأ من ذلك أن نسمع تبريرات تشبه تلك التي كنا ننتقدها في الجارة الشرقية، حيث يسوّق بعض إعلام نظام تبون وشنقريحة خطابات جوفاء مليئة بالمغالطات والولاء الأعمى. واليوم، يبدو أن هذا الداء بدأ يتسلل إلى بعض المنتسبين للمهنة عندنا، ومنهم نقابيون اختاروا الانتهازية بدل الدفاع عن المهنية والجدية.
لمن يريد ان يتضامن يمكنه أن يبحث في ثروة المعنية بالأمر، وفي محطة الوقود بمديونة وأشياء أخرى، في إستغلال لاسم القناة وصورة الظهيرة
إن التضامن قيمة نبيلة عندما يكون في مكانه الصحيح، لكنه يصبح عبئاً ثقيلاً حين يتحول إلى أداة لتبييض الأخطاء وتلميع الوجوه. ما وقع في هذه القضية ليس سوى مثال آخر على أن بعض التضامن مجرد شعار للاستهلاك، لا يختلف كثيراً عن لغة الخشب التي ملّ منها الرأي العام.


