بلا قيود

الفراشة والصرصور

أمام كوب الشاي المسائي، فقد هجرتُ القهوة منذ زمن، فما حاجتي بمزيد من السهر وقد صار نومي هشًّا لا يحتمل الكافيين، أمارس عادتي الفضولية و أتأمل المارَّة، رأيت مشهدا أشبه بمحكمة، محكمة العيون.

هو، رجل أنيق، هندامه ناصع، صوته منخفض كهمسة صلاة. وهي، امرأة بملابس متعبة، وجهها كُتبت عليه دروس لا تلقَّنُ في المدارس، تتحدث بصوتٍ عالٍ، بشيء من الفوضى، بشيء من الحقيقة.

العيون انقسمت تلقائيًا، كأنها تلقّت تدريبًا موحّدًا في إصدار الأحكام: فلان رجل محترم، هادئ، مثقف. وهي امرأة جاهلة، مزعجة، لا تعرف حدودها.

لكن ما خفي أعظم، كما العادة.

فاللباقة لا تعني النُبل، والصوت المنخفض لا يعني الطُهر.

وما أسهل أن تُقال الإهانات بألفاظ مُهذبة، وأن تُسفك الكرامة بالهمسات.

الهدوء ليس دائمًا علامة على السلام، أحيانًا هو سِكينٌ مُبطّن.

أما الصوت العالي، فقد يكون دفاعًا، لا شغبًا.

صرخة لا تجد أذنًا تصغي، فترفع نبرتها فقط كي تُسمع.

وفي كثير من الأحيان، الصدق يصرخ، والكذب يهمس.

فكّرتُ، لماذا نميل إلى تفضيل من “يبدو” جميلا على من “يقول” الحقيقة؟

لماذا نحب الفراشات، ونقرف الصراصير، رغم أن كليهما حشرة؟

نحب الأجنحة المُلوّنة، الألوان الزاهية، رفاهية التحليق بعيدا، نهرب من الأرجل السوداء، المنظر المزعج لكائن لا تحمله جناحيه ليرى الأفق، كأن الجمال صكّ براءة، وكأن القُبح جرمٌ يولد مع صاحبه.

هكذا نفعل مع الناس. نُقدّس من يرتدي أفكارًا مكوية، ونحتقر من يعرض رأيه بصوتٍ لا يُجيد التجميل.

نُدين الشكل، لا المعنى. ونُكافئ القشرة، لا المكنون.

المشكلة ليست في الرجل ولا المرأة، بل فينا.

في ذوقٍ عام تربّى على الجمال الخارجي كمعيار، وعلى الصمت كمؤشر على الحكمة، وعلى التهذيب كغطاءٍ لكل خُبث.