أفواه البغال وعقول العصافير

ما الفرق بين لسانٍ يبوح وأنياب تنهش ؟ ما المسافة بين كلمةٍ تولد من رحم الفكرة، وكلمةٍ تولد من مستنقع الحقد ؟
نرفع حرية التعبير كشعار نزيه، رايةٍ عذراء تُلوِّح في الأفق، ثم نطرحها أرضاً لتدوسها الأقدام المتسخة.
نُحاكم غيرنا على كلمةٍ عفوية وكأنها جريمة، ونُبيح لأنفسنا سيولًا من كلماتٍ أوْقح، بلا رقيبٍ ولا وازع.
نُقيم الدنيا إن جُرحنا بفكرة، ونمشي حفاةً على كرامات الآخرين دون أن نلتفت.
نُدندن بشعارات « الاحترام » حين تمسّنا النار، ونطفئها بألسنةٍ تحترف إذكاء الحريق عند غيرنا.
أحتقر هؤلاء الذين يكمّمون الأفواه باسم « الأدب »، ثم يفتحون نوافذ بيوتهم لكل ريحٍ فاسدة من التهجم والفضول الرخيص.
يسمونها « حرية النقد » وهي ليست سوى حرية الفضيحة، حرية التجريح، حرية سلخٍ بطيء لظهور من يختلف عنهم.
نكتب قوانين تجرّم الرأي، ونطبع صكوك غفران لمن يشهر أعراض الناس في اللايفات والفيديوهات.
كأننا اخترعنا ميزانًا مشوّهًا : تُمنع الفكرة لأنها جريئة، وتُبارك الشتيمة لأنها تُشبع غريزة القطيع.
والقطيع، هذا الذي يفتح أفواهًا أكثر مما يفتح كتبًا. هذا الذي يفرح حين يرى رأسًا مقطوعًا على رصيف افتراضي. هذا الذي لا يريد حرية الفكر، بل حرية الشتم.
يقولون إن حرية التعبير خطٌ أحمر، لكن على الورق فقط !
في الواقع، تُقص ألسنة الذين يطرحون سؤالًا يربك السائد، وتُفرش السجادة الحمراء للذين يحفرون في وحل الشائعات.
تُقمع الفكرة النظيفة لأنها تُقلق الوسادة، وتُبارك الشتيمة لأنها تُسكت الضمير وتُسلّي الملل الجماعي.
كأننا أمةٌ تؤمن بأن إسكات الأفواه أسهل من هزّ الفكرة.
وأنا أسأل : ما جدوى حريةٍ تُكبل العقول وتُطلق الألسنة ؟
ما جدوى حقٍّ يُصادر حين يكون لائقًا، ويُبارك حين يكون جارحًا ؟
في النهاية، بين حرية التعبير وحرية التهجم شعرةٌ دقيقة، لكننا تجاذبنا أطرافها حتى انقطعت، وبقينا نلوّح بنصفها كدليلٍ على أننا أحياء.


