بلا قيود

من يأكل الهواء أولا؟

ما أقسى أن يكون الجوع خبرا، أن تتحول رغيف الخبز إلى “حدث دولي”، وقطرة الماء إلى “مسألة تفاوض”. في غزة، لا يتحدث الناس عن السعرات الحرارية ولا الحمية الغذائية… هناك، الجوع ليس نقصا في الطعام، بل فائضا في القتل.

أفكر أحيانا: ما الذي يجعلهم يتحملون؟ كيف للناس أن يصمدوا وقد تحوّل الخبز إلى أمنية؟ هل يمكن أن تتعوّد الأمعاء على الخواء؟ وهل تهدأ قلوب الأمهات حين يجفّ الحليب في صدورهن قبل أن يكتمل الفطام؟

في عالم مهووس بمؤشرات الاقتصاد والنمو والنجاح، ما زالت غزة تعلمنا درسا بدائًا في البقاء. هناك حيث لا شيء يشبع، إلا القذائف. لا يوزع الحب، بل يُقصف. لا تروى الأرض بالماء، بل بالدم.

غزة تجوع، لا لأن الخبز مفقود، بل لأن “كسر الروح” صار خطة سياسية.

أي وقاحة تلك التي تسمي الحصار “إجراء أمنيا”؟ أي برود في تلك اللغة التي تشرح الجوع كـ”أداة ضغط”؟ من أين يأتي هذا الصقيع في الكلمات، حين تختزل حياةُ طفلٍ نحيل في تقرير ميداني لا يتجاوز النشرة المسائية؟

غزة لا تموت فقط بالرصاص… غزة تنهك، تجفف، تقطع على مهل. حتى الموت هناك لم يعد نهاية، بل صار أسلوبا للعيش.

في غزة، الجوع هناك لا يطرق الباب بل يقتحمه، لا يستأذن، بل يستوطن الموائد الخالية. في غزة، لا أحد يختار الصمت، لكن الصراخ نفسه بات عبئا على الحنجرة الجافة. كيف تصرخ وأنت لا تملك طاقة الصوت؟ كيف تشرح للعالم أنك لا تموت، بل تتآكل؟.