بلا قيود

انتحار جماعي

ما أوجع السؤال حين يوقظ فينا ذنوبًا لم نرتكبها، وما أثقل الجملة حين تحملنا إلى حافةٍ لا نعرف كيف نعود منها.

«نموت كلّنا أو يعيش أهل غزة» عبارةٌ تبدو للوهلة الأولى بطولةً مطلقة، لكنها في عمقها انتحارٌ جماعيٌّ مغلفٌ بشعارات العجز. فكرةٌ تُغري القلوب المكسورة، لكنها تُفرغ الحياة من معناها، وتحوّل الأحياء إلى مشروع قبورٍ مؤجّلة.

منذ متى كانت العدالة أن نُدفن كلّنا؟ ومنذ متى كانت النصرة موتًا جماعيًّا؟ أيُّ منطقٍ هذا الذي يخلط التضامن بالفناء، ويقايض الحياة بالحياة؟

أعلم أنّ في الحلق غصّة، وفي العين دمعة، وأعلم أنّ دمنا يغلي حين نرى أطفالًا يذبلون تحت الحصار، لكن لا حياةً نمنحهم إن قايضنا موتهم بموتنا. لا رغيفَ يصل، ولا دواءً يُنقِذ، ولا صوتًا يبقى.

ليت الناس يفهمون أن الفكرة ليست أن نُحرق سفننا ونغرق، بل أن نُجدّف معهم، أن نحمل معهم كسرة الخبز والصرخة، أن نبقى أحياءً كي نبقى شاهدين وناقلين ومُنادين باسمهم كلّ يوم.

وليتهم يدركون أيضًا أن الحزن وحده لا يُطعم جائعًا. تعليق الفرح وكتم الأغاني وإطفاء الأضواء لا يردّ شهداءً من تحت الركام. إلغاء الأعراس لا يهدم جدارًا محتلًّا، ولا يكسر قيدًا. كيف ننصر حياةً ونحن ندفن أفراحنا بأيدينا؟ كيف نُقيم حدادًا لا ينتهي، ثم نظنّه انتصارًا؟

إن التضامن الذي يشبه الموت ليس تضامنًا. والحداد الذي يغتال الأمل ليس مقاومة. إن كنّا نريد لفلسطين أن تعيش، فلنُبقِ فينا حيًّا كلّ ما هو جميلٌ وعنيد. فلنُجدّد أعيادنا بمعناها، نزرع فيها الدعاء، نعلّم أبناءنا أن الاحتفال مقاومةٌ أيضًا، وأن ضحكةً صغيرة قد تتحوّل يومًا إلى سلاحٍ حين يكبر أصحابها ويعرفون ما تعنيه الحياة التي تستحق أن تُحمى.

ليست البطولة أن نُنهي حياتنا من أجل حياةٍ أُخرى، البطولة أن نُعمّر هذه الحياة فتسعهم وتسعنا. أن نصون ما بقي فينا من قدرةٍ على الحلم. أن نُربّي أبناءنا على أن فلسطين تسكنهم دون أن يُدفنوا قبل أوانهم.

لم يكن الموت يومًا شكلًا من أشكال الدعم. لم يكن الجوع في بيوتنا طوق نجاةٍ لمن يجوعون هناك.