رفاهية أن تكون عاديا

ما أعذب أن يكون للمرء رفاهية أن يكون عاديًّا… في زمنٍ محموم بطموحٍ مسعور، و مجدٍ كاذب، يصبح الحلم الكبير أن ننام مطمئنين إلى بساطتنا، أن ننسلَّ من سباق الأرقام كقطرة ماءٍ ضلّت السبيل.
لا أريد أن أكون نسخة استثنائية تُبهِر الجميع. لا أريد أن أُحَوِّل حياتي إلى سباق لا نهاية له. أريد أن أكون عاديًّا، بسيطًا، لي حقي في الرتابة والكسل والبطء والغياب عن الأضواء.
يريدون منّا أن نلمع حدّ الاحتراق. يريدون بطلًا بوجهٍ صامدٍ لا ينكسر، بقلبٍ لا يشيخ، بحلمٍ لا يهدأ… وأنا أريد حقّي في الكسر. حقّي في التعب. حقّي في الخطأ.
أُفكّر في سقراط الذي قال قديمًا: «اعرف نفسك»، لكن ما لم يقله لنا أنّ أجمل ما قد تعرفه في نفسك هو هشاشتها. هشاشةٌ تحميك من لعنة البطولة المزيفة.
أيّ مجدٍ هذا الذي يسحقنا كلّما صعدنا درجاته؟ وأيّ بطولةٍ هي تلك التي تحرِق العمر لتكتب اسمًا على حجر؟ أليست الأحجار مصيرها التفتّت أيضًا؟
دعوني أكون عاديًّا… أنام متأخرًا، أستيقظ بلا خطّة، أبني أحلامًا صغيرةً بحجم شرفةٍ وكتابٍ وكوب قهوة. أريد أن أُعمّد قلبي بنعمة الرتابة، أن أُربّي في صدري سعادةً تنبع من داخلي لا تحتاج أن يسقيها هتاف الجماهير.
في زمنٍ صار كلّ شيءٍ فيه واجهةً للفرجة، تصبح عاديّتك قلاعًا صغيرةً تحميك من العيون الجائعة، تحفظ قداسة أشيائك، تحجبك عن ألسنة المتطاولين. تصبح بساطتك وشاحًا من حريرٍ لا يلمسه أحد، وصمتك دعاءً خفيًّا يُدثّر قلبك من صخب العالم.
ما أجملك حين تمرّ خفيفًا كظلّ غيمة، لا تستوقف أحدًا، ولا تستجدي تصفيقًا من أحد. ما أجملك يا صديقي وأنت تتقن فنّ التخفّي، فنّ أن تحيا لنفسك لا للآخرين.


