جريدة “الصباح”..ملكة العناوين

في مشهد إعلامي تتلاطم فيه أمواج الرقمنة وتتآكل فيه جدران الصحافة الورقية، ما تزال جريدة “الصباح” المغربية صامدة في وجه الزمن، تحافظ على وهجها، وتؤكد كل يوم أنها ليست مجرد صحيفة ورقية، بل هي مدرسة في الصياغة، وعنوان للتميز في اختيار العناوين.
منذ صدورها في بدايات الألفية الجديدة، استطاعت “الصباح” أن تحجز لنفسها مكانة متقدمة في قلوب القراء وفي مكاتب المسؤولين وفي طاولات المقاهي الشعبية. لم يكن ذلك من قبيل الصدفة، بل نتيجة عمل دؤوب ومهنية عالية، ونَفَس تحريري يعرف جيدا كيف يوازن بين الإثارة الراقية والمصداقية الصحفية.
لكن ما يجعل “الصباح” تتفرد عن باقي نظيراتها هو براعتها في فن العناوين. فحين يمر القارئ على كشك الجرائد، تلفت انتباهه خطوطها العريضة، بقدر ما تشده حمولتها الرمزية والمعنوية. عنوان في جريدة “الصباح” ليس مجرد تلخيص للخبر، بل هو عمل فني بذاته: فيه الإيحاء، وفيه الجرأة، وفيه الإبداع. هو ذاك المفتاح الذي يفتح شهية القارئ لاكتشاف القصة من داخلها، لا من سطحها فقط.
لقد استطاعت “الصباح” أن تُرسِّخ ثقافة العنوان القوي، الذكي، المكثف، الذي يُغني عن كثير من التفاصيل، ويبعث رسائل سياسية واجتماعية بلغة مبطنة أحيانا، وصادمة أحيانا أخرى، دون أن تسقط في التهويل أو التخويف.
ولا غرابة في أن الكثير من العناوين التي أبدعتها “الصباح” تحولت إلى عناوين نقاش عام، بل وإلى مرجعيات لغوية تتداولها الألسن في الإدارات، والصالونات، وحتى في وسائل الإعلام المنافسة. من “العصا فالرويضة” إلى “الحرب الباردة داخل الحكومة”، من “الوزير في فوهة البركان” إلى “المسؤول اللي فرّط يكرّط”… إنها عناوين تلخص عقلية تحريرية تؤمن أن الكلمة الأولى هي التي تَحكم.
بعيدا عن العناوين، تبقى “الصباح” جريدة تؤدي دورها في نقل الخبر، وتحليل الوقائع، وتوجيه النقاش العمومي، من خلال أقلام رصينة وتحقيقات ميدانية وتقارير معمقة، تجعل منها واحدة من آخر قلاع الصحافة الورقية الجادة في المغرب.
وفي زمن تراجعت فيه كثير من الصحف أمام طغيان المنصات الرقمية و”صحافة السبق السريع”، تحافظ “الصباح” على توازن دقيق بين الاستجابة للزمن الرقمي من خلال موقعها الإلكتروني، وبين الوفاء لروح الورق ورائحة الحبر، التي ما تزال تمثل طقسا يوميا لأوفياء القراءة التقليدية.
في النهاية، ليست “الصباح” مجرد جريدة… إنها ذاكرة مغربية حديثة، و”ملكة العناوين” عن جدارة، ورسالة إعلامية تعرف كيف تُحدث الفرق، بمجرد أن تُطل من العنوان.


