فن وثقافة

بنسعيد..وزيرُ ثقافة “التفاهة” والأكثر إساءة للحكومة

في زمن تتسابق فيه الأمم نحو الاستثمار في الذكاء، العلم، والابتكار، يخرج علينا محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، بمشروع ثقافي لا يمتّ للثقافة الرصينة بصلة، بل هو مشروع يروّج للرداءة، ويكرّس انحطاط الذوق العام، عبر تبنٍّ فاضح لأسماء لا تمثّل أي قيمة فنية أو فكرية، يتقدمهم مغني الراب “طوطو” واليوتيوبر المثير للجدل “الياس المالكي”.

الوزير، الذي يفترض فيه أن يكون حارساً على الهوية الثقافية للمغاربة، وبوصلةً ترشد الأجيال نحو قيم التنوير والإبداع، يبدو أنه اختار طريقاً معاكسة. اختار أن يكون وزيراً لثقافة “التريند”، ثقافة الـBuzz، التي لا تنتج فكراً ولا تُنمّي وعياً، بل تجرّ المجتمع نحو الابتذال والتفاهة.

كيف لوزيرٍ يحمل حقيبةً بحجم “الثقافة”، أن يجعل من طوطو – صاحب السلوكات المشينة والألفاظ السوقية – أيقونةً للشباب المغربي؟ وكيف يُعقل أن يُستقبل الياس المالكي، الذي يبني “نجوميته” على الصراخ، السب، والفضائح، كوجه من وجوه الحضور في الفضاء الثقافي المغربي؟ أهذه هي القدوة التي يريدها بنسعيد لأبناء هذا الوطن؟

ولأن الخلل لا يقف عند حدود الترويج للنماذج الفارغة، فإن ما كشفه موقع “زون24″ يزيد الطين بلّة. فقد تبين أن شركة واحدة ظلت لسنوات تستفيد حصرياً من صفقات تنظيم المعرض الدولي للنشر والكتاب، خاصة بعد انتقاله إلى الرباط في عهد الوزير بنسعيد. أيعقل أن تُدبَّر ميزانية ثقافية بملايين الدراهم بهذا الشكل الفجّ؟ وهل تحوّلت الوزارة إلى ضيعة خاصة يوزّع فيها الوزير الامتيازات حسب المقاس والحظوة؟ أين هي الشفافية؟ أين هي المنافسة؟ أين هي الحكامة التي ما فتئ الدستور ينادي بها؟

الوزير، الذي من المفترض أن ينشغل ببناء بنية تحتية ثقافية حقيقية، وتشجيع الإبداع الجاد، وصيانة الموروث المغربي المتنوع، اختار بدل ذلك التهليل للمهرجانات الفارغة، وتكريس الرداءة كـ”نموذج نجاح”. لم نر في عهده دعماً حقيقياً للكتاب أو المسرح أو الفنون الجادة، ولم نسمع عن مشروع يفتح آفاقاً أمام شباب الهامش المبدع، بل كل ما نراه هو استعراضات إعلامية مموَّلة بسخاء، لفائدة نجوم “تيك توك” و”راب القهاوي”.

المثير للسخرية أن هذا الوزير، الذي ينتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي رفع في بداياته شعارات الحداثة والتنوير، يجرّ الآن وزارة الثقافة إلى النقيض تماماً. يسوّق لأسماء لا تحترم لا الأخلاق ولا الذوق ولا القانون، ويضعها في صدارة المشهد الثقافي، في استخفاف خطير بملايين الشباب المغربي الطموح، والمبدع، والمكافح.

لقد تحوّلت وزارة الشباب والثقافة إلى مقاولة ترويجية للمحتوى السطحي، في وقت تعاني فيه المكتبات من الإغلاق، والمسارح من الخواء، والفنانون الحقيقيون من التهميش. بنسعيد لا يحمل مشروعاً ثقافياً، بل حملة علاقات عامة مبنية على واجهات كرتونية، وأصوات ضوضائية، وصور إنستغرامية.

من حقنا أن نسائل الوزير: إلى أين تأخذنا؟ وإلى متى سيستمر مسلسل تبديد المال العام وتكريس العبث؟ وهل يستحق الشعب المغربي، بكل تاريخه العريق ومثقفيه الجادين، وزيراً لا يرى في الثقافة سوى “طوطو” و”مالكي”؟

كفى عبثاً.