بلا قيود

قانون بمقاسَيْن 

ما الغاية من القانون ؟ لمن وضع؟ وهل وُجد لينصف الإنسان، أم ليخنقه تحت عبء الطاعة؟

يبدأ كل شيء من الحاجة إلى النجاة.

حين اجتمع البشر تحت سقف الخوف، اتفقوا على قانون، أي قانون، فقط ليشعروا أن الفوضى لها شكل، أن الوحش الذي بداخلهم يمكن ترويضه بالحبر والأختام.

قال أفلاطون إن القانون يجب أن يكون مرآة للعدالة.

لكن أي عدالة؟ التي تُكتب في الدساتير؟ أم تلك التي تسكن جوف الأمهات اللاتي تبكين في صمت؟

هوبز رأى أن الإنسان ذئب لأخيه، وأن القانون هو القيد الوحيد الذي يمنع الدماء من أن تصبح لغة الشارع.

روسو تخيل عقدًا اجتماعيًا، نقايض فيه جزءًا من حريتنا بالأمان.

وكانط تخيل قانونًا أخلاقيًا، لا ينحني إلا للعقل.

لكننا لا نعيش في تصورات الفلاسفة. نعيش حيث القانون يُكْتَبُ بلغة النخبة، ويُفَسَّر حسب الهوى، ويُطَبَّق حسب المقام.

من يسرق الخبز يُدان، ومن يسرق وطنًا يُصافَح.

من يصرخ من الجوع يُتهم بالتحريض، ومن يضحك من داخل سيارته على دموع الآخرين يُبارك طريقه.

ووسط كل هذا، تسقط طفلة على الرمل، دهستها عجلات اللاوعي. ثلاث سنوات من الحياة، تلاشت تحت ثقل المحسوبية.

لا يهتم أحد، لأن الحادث «قَدَر»، لأن السائق من ذوي المال، ولأن القانون أعمى… لكنه بصير حين يريد.

القانون، حين يُفصَّل كبدلة على مقاس من لا يحتاجه، لا يصبح قانونًا بل كذبة.

أقسى من الظلم، قانون يمنح للظالم ترخيصًا، ويطلب من الضحية الصمت باسم النظام.

يُقال إن القانون أسمى تعبير عن الضمير الجمعي، لكن ماذا لو كان هذا الضمير مخدرًا؟ مائعًا؟

هل نطيعه؟ أم نحاربه؟ أم نهاجر منه إلى مناطق رمادية، لا يحكمها نص، بل قلب نابض بالحق؟

أنا لا أعادي القانون. أنا فقط لم أعد أصدق عدالته حين تصير الوجوه وسيلة تخفيف، والمال جواز عبور فوق الجراح.

أبحث عن قانون لا يتغير إن تغير اللقب.

عن نص لا يتلعثم حين يواجه السلطة.

عن ميزان لا يرجح الكفة الثقيلة لأنه يخافها.

في النهاية، لا نحتاج لقوانين أكثر. نحتاج لقيم أكثر.